` `

دراسة: كيفية مكافحة الأخبار المزيفة والمعلومات المضللة 3

فريق تحرير مسبار فريق تحرير مسبار
تكنولوجيا
19 فبراير 2020
دراسة: كيفية مكافحة الأخبار المزيفة والمعلومات المضللة 3

مخاطر التحكم بالمحتوى الإلكتروني عبر القانون

تُعدّ مضايقة الحكومات للصحفيين مشكلة خطيرة في العديد من البلدان حول العالم. يلاحظ المقرر الخاص لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ديفيد كاي أنَّ "الكثير من القادة ينظرون إلى الصحافة على أنها العدو، والصحفيون كالأشرار المحتالين، والتابعين على تويتر كإرهابيين، والمدونين كالكفار".

في أحدث تقرير لـ Freedom House عن حريات الصحافة العالمية، وجد الباحثون أنَّ حرية وسائل الإعلام كانت في أدنى مستوياتها منذ 13 عاماً، وكان هناك "تهديدات غير مسبوقة للصحفيين ومنافذ وسائل الإعلام في دول الديمقراطيات الكبرى والحركات الجديدة، من قبل الدول الاستبدادية؛ للسيطرة على وسائل الإعلام، بالإضافة إلى ما خارج حدودها".

وغالباً ما يتم اتهام الصحفيين بتوليد أخبار مزيفة، وهناك العديد من حالات اعتقال صحفيين شرعيين أو إخضاع عملهم للتدقيق الرسمي. كما حدث في مصر، قُبض على أحد منتجي الجزيرة بتهمة "التحريض على مؤسسات الدولة، وبث أخبار مزيفة بهدف نشر الفوضى". كان هذا بعد أنَّ بثت الشبكة فيلماً وثائقياً ينتقد التجنيد الإلزامي للجيش المصري. 

انتقلت بعض الحكومات أيضاً، إلى وضع لوائح وقواعد حكومية؛ للتحكم في تدفق المعلومات ومراقبة المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي، مثلاً أنشأت إندونيسيا وكالة حكومية "لمراقبة الأخبار المتداولة عبر الإنترنت، ومعالجة الأخبار المزيفة".

في الفلبين، قدم السيناتور جويل فيلانويفا مشروع قانون من شأنه أن يفرض عقوبة السجن لمدة خمس سنوات على أولئك الذين ينشرون أو يوزعون أخباراً مزيفة، والتي عرَّفها التشريع أنها: أنشطة تسبب الذعر، والانقسام، والفوضى، والعنف، والكراهية أو تلك التي تعرض دعاية لتشويه، أو تلويث سمعة أحدٍ ما.

أدان النقاد تعريف مشروع القانون للشبكات الاجتماعية، والتضليل، وخطاب الكراهية، والكلام غير القانوني باعتباره واسعاً أو عامًّا جداً؛ إذ يعتقدون أنه ينطوي على خطر تجريم الصحافة الاستقصائية، وتقييد حرية التعبير.

وأشار جاريوس بوندك كاتب عمود في إحدى الصحف، إلى أنَّ "مشروع القانون عرضة لإساءة الاستخدام؛ ويُمكن الإدارة المتعصبة تطبيقه لقمع المعارضة، من خلال مقاضاة النقاد كصانعي الأخبار، إذ يمكن للحكومة خنق المعارضة المشروعة، وسوف يتم حبس وتغريم الصحافيين، وليس الجناة، بسبب جرأتهم على التحدث؛ الصحفيون الاستقصائيون سيملؤون السجون".

في حالة وجود معلومات كاذبة، من المغري للسلطات القانونية أن تتعامل مع المحتوى المسيء والأخبار الكاذبة عن طريق المنع، أو وضع قواعد لها. على سبيل المثال، في ألمانيا، صدر تشريع في يونيو/حزيران 2017، يفرض على المنصات الرقمية حذف خطاب الكراهية والمعلومات المضللة؛ ويتطلب هذا من شركات التواصل الاجتماعي الكبيرة "حذف التعليقات والمشاركات غير القانونية، أو العنصرية، أو الافتراء في غضون 24 ساعة"، ويمكن تغريم الشركات ما يصل إلى 57 مليون دولار؛ للمحتوى الذي لا يتم حذفه من المنصة الأساسية، مثل الرموز النازية، أو إنكار الهولوكوست، أو لغة تصنف على أنها خطاب كراهية.

واشتكى نقاد التشريع الألماني من أنَّ تعريفه لكلمة "غير القانونية" يهدد الرقابة، ويؤدي إلى فقدان حرية الرأي، ويطبق القانون القواعد على منصات التواصل الاجتماعي في البلاد التي تضم أكثر من مليونيَّ مستخدماً؛ ما دفع المعلقين للقول إنَّ هذه ليست طريقة معقولة لتحديد الشبكات الاجتماعية ذات الصلة، إذ قد يكون هناك شبكات أصغر بكثير، تتسبب في ضرر اجتماعي أكبر من تلك الشبكات ذات المليوني مستخدم مثلاً.

بالإضافة إلى ذلك، ليس من الواضح دائماً كيفية تحديد المحتوى غير المرغوب فيه؛ على الرغم من أنه من الواضح إلى حدٍ كبير كيفية تحديد الكلام الذي يدعو إلى العنف أو الأذى لأشخاص آخرين، إلا أنه أقل وضوحاً عند الحديث عن خطاب الكراهية أو "تشهير الدولة"، فما يُعتبر "كراهية" لشخص ما قد لا يكون كذلك لشخص آخر.

هناك بعض الغموض فيما يتعلق بما يشكل خطاب الكراهية في سياق رقمي أو إلكتروني؛ هل يشمل هذا تلك الأخطاء المقترفة في إعداد التقارير، أو تعليق على مقال ما يحمل رأي كاتبه، أو هجاء سياسي، أو أخطاء في خطاب قائد ما، أو تلك الافتراءات الواضحة؟

اشتكت منظمات المراقبة من كون ما أطلقت عليه "اللغة الواسعة للغاية" يمكن لها أن تؤثر على مجموعة من المنصات والخدمات، وتُتخذ قرارات بشأن ماهية المحتوى غير القانوني، لتوضع في أيدي الشركات الخاصة، التي تميل إلى الرقابة المفرطة من أجل تجنب الغرامات المحتملة. لذلك تشكل اللوائح ذات التقييد المفرط لمنصات الإنترنت في المجتمعات المفتوحة سابقة خطيرة، ويمكن أن يشجع الأنظمة الاستبدادية على مواصلة و/أو توسيع الرقابة؛ الأمر الذي يؤدي إلى تقييد حرية التعبير عالمياً، وإثارة العداء للحكم الديمقراطي.

إنَّ الديموقراطية التي تفرض قيوداً مفرطة على الكلام، تخاطر بتشريع استبداد القادة والزعماء وجهودهم في قمع حقوق الإنسان الأساسية؛ لذلك من المهم جداً ألا تؤدي الجهود المبذولة لتحسين جودة الأخبار إلى إضعاف المحتوى الصحفي أو المشهد الاستقصائي الذي يواجه المراسلين.

 هناك عدة بدائل للتعامل مع الأكاذيب والتضليل المعلوماتي، التي بإمكان مختلف المنظمات اتخاذها؛ إذ تمثل العديد منها حلولاً تكافح الأخبار المزيفة والمعلومات الوهمية، دون تعريض حرية التعبير والصحافة الاستقصائية للخطر. 

أولاً يتعلق الأمر بمسؤوليات الحكومة، فمن أهم ما يمكن للحكومات في جميع أنحاء العالم القيام به تشجيع الصحافة المهنية المستقلة؛ يحتاج الجمهور العام إلى مراسلين ليساعدوه في فهم التطورات المعقدة، والتعامل مع الطبيعة المتغيرة باستمرار للأحداث الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛ إذ تمر العديد من المناطق بالتحولات التي وصفتها في مكان آخر باسم "تغيرات ضخمة"، وأحدثت هذه التحولات غضباً شديداً وقلقاً وارتباكاً في وقت الاضطرابات الهائلة، من الضروري جداً أن يكون هناك ملكية رابعة مستقلة وصحية بعيداً عن السلطات العامة.

ينبغي للحكومات أن تتجنب القمع لقدرات وسائل الإعلام على تغطية الأخبار، هذه الأنشطة تحد من حرية التعبير وتعرقل قدرة الصحفيين على تغطية التطورات السياسية؛ يجب على الولايات المتحدة أن تكون قدوة جيدة مع الدول الأخرى، إذا كان القادة الأميركيون يفرضون الرقابة على وسائل الإعلام أو يقيدونها، فهم بذلك يشجعون الدول الأخرى على فعل الشيء ذاته. 

ينبغي للحكومات تجنب الرقابة على المحتوى، وجعل المنصات عبر الإنترنت مسؤولة عن التضليل المعلوماتي والأخبار المزيفة، فإنًّ مثل تلك الرقابة يمكن لها أن تكبح حرية التعبير، وتجعل الناس مترددين في مشاركة آرائهم السياسية خوفاً من إمكانية مراقبتها على أنها أخبار مزيفة، مثل هذه اللوائح والقواعد ذات التقييد المفرط يمكن أن تشكل سابقة خطيرة، وتشجع عن غير قصد الأنظمة الاستبدادية على إضعاف حرية التعبير.

أما فيما يتعلق بإجراءات صناعة الأخبار، فينبغي أن تستمر صناعة الأخبار في التركيز على الصحافة عالية الجودة التي تبني الثقة وتستقطب جمهوراً أكبر، ومن التطورات المشجعة أن العديد من المؤسسات الإخبارية حققت مكاسب كبيرةً في ارتفاع نسبة القراء والمشاهدين على مدار العامين الماضيين، وهذا يساعد على وضع منافذ الأخبار الرئيسية على أسس مالية أفضل، لكن كان هناك انخفاض حاد في ثقة الجمهور في وسائل الإعلام في السنوات الأخيرة، وهذا أضر بقدرة الصحفيين على الإبلاغ عن الأخبار ومحاسبة القادة. وخلال فترات الفوضى والاضطرابات الهائلة يحتاج العالم إلى وسائط إخبارية قوية وقابلة للتطبيق، لإعلام المواطنين بالأحداث الجارية خاصة طويلة الأجل منها.

*الحلقة الثالثة من دراسة مترجمة عن مؤسسة بروكينجز Brookings، وهي مؤسسة غير ربحية مكرسة للبحث المستقل والحلول السياسية، وتتمثل مهمتها في إجراء أبحاث مستقلة عالية الجودة، وبناءً على هذا البحث، يتم تقديم توصيات مبتكرة وعملية لكلا الطرفين من صناع السياسة والجمهور. إنَّ استنتاجات وتوصيات لأي من منشورات بروكينجز هي فقط استنتاجات مؤلفيها، ولا تعكس آراء المؤسسة أو إدارتها أو أي من علمائها الآخرين. كما تم توفير الدعم لهذا المنشور بواسطة موقع فيسبوك. وتدرك مؤسسة بروكينجز، أنَّ القيمة التي تقدمها هي في التزامها المطلق بالجودة والاستقلالية والتأثير، والأنشطة التي يدعمها المانحون تعكس هذا الالتزام.

الأكثر قراءة