` `

كيف خُدعت منظمة الصحة العالميّة؟

أسماء الغول أسماء الغول
علوم
9 يونيو 2020
كيف خُدعت منظمة الصحة العالميّة؟
اكتشفت صحيفة الغارديان البريطانيّة أنَّ منظمة الصحة العالميّة تعرّضت للخداع (Getty)

يبدو أنّ منظمة الصحة العالميّة تعاني من انتقاداتٍ واسعة في ظل جائحة  فايروس كورونا المستجد (كوفيد_19)، وكان آخرها حين أجابت ماريا فان كيرخوف، رئيسة وحدة الأمراض حيوانيّة المنشأ بمنظمة الصحة العالميّة، على سؤال أحد الصحفيّين بأنّ انتقال العدوى للمصابين بدون أعراض "نادر جداً"، وانتشر تصريحها كالنار في الهشيم وأصبح السؤال البديهيّ هل هذا يعني أنّ إجراءات التباعد الاجتماعيّ ووضع الكمامة لا لزوم لها؟.

وبعد هذه الزوبعة نقلت صحيفة الواشنطن بوست على لسان كيرخوف "لم أكن أذكر سياسة منظمة الصحة العالميّة أو أيّ شيءٍ من هذا القبيل..نحن نعلم أنّ بعض الأشخاص الذين ليس لديهم أعراض، يمكنهم نقل الفايروس."

وهنا قال مايك رايان رئيس برامج الطوارئ في منظمة الصحة العالميّة للصحيفة "إنّه لم يكن نيّة منظمة الصحة العالميّة أنْ تقول إنّ هناك سياسةً جديدةً أو مختلفةً..لا يزال هناك الكثير غير معروف عن هذا الفايروس ومازال غير معروف عن ديناميكيات انتقاله."

 لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فبدأ يتّضح الآن أنّ كثيراً من هذه الانتقادات في محلّها، وذلك حين اكتشفت صحيفة الغارديان البريطانيّة أنَّ منظمة الصحة العالميّة تعرّضت للخداع.

فقد ذكرت الصحيفة أنَّ منظمة الصحة العالميّة وعدداً من الحكومات قامت بتغيير سياساتها وعلاجات Covid-19 على أساس بياناتٍ مُعيبة من شركة تحليلات رعاية صحيّة أميركيّة غير معروفة.

وتُدعى هذه الشركةSurgisphere وتقع في الولايات المتحدة الأميركيّة، ويوجد فيها عدد محدود من الموظفين أحدهم ​​كاتباً للخيال العلميّ، وموظفة أخرى كانت تعمل في مجال تقديم محتوى للبالغين.

وقدّمت هذه الشركة إضافة إلى البيانات، دراساتٍ متعددةٍ حول Covid-19 شارك في تأليفها الرئيس التنفيذيّ للشركة، ولكن الأخيرة فشلت حتى الآن في شرح بياناتها أو منهجيّتها بشكلٍ كافٍ.

وكانت البيانات التي خرجت بها الشركة، وقالت إنّها حصلت عليها بشكلٍ شرعيّ من أكثر من ألف مستشفى في جميع أنحاء العالم هي أساس المقالات العلميّة التي أدّت إلى تغييراتٍ في سياسات علاج Covid-19 في دول أمريكا اللاتينيّة. كما كانت السبب وراء قرار منظمة الصحة العالميّة ومعاهد البحث حول العالم بوقف التجارب على عقار هيدروكسي كلوروكوين المثير للجدل، ما دفع منظمة الصحة العالميّة الأسبوع الماضي إلى إعلان أنّ هذه التجارب ستستأنف الآن من جديد.

كما نشرت اثنتان من المجلات الطبيّة الرائدة في العالم -مجلةلانسيت ومجلة نيو إنجلاند الطبيّة -دراساتٍ تستند إلى بيانات شركة سورجيسفير، وبالتأكيد شارك في تأليف الدراسات المدير التنفيذيّ للشركة سابان ديساي.

وأوضحت صحيفة الغارديان، أنّها بعد أنْ تواصلت مع مجلة لانسيت نشرت الأخيرة "تعبيراً عن القلق" بشأن دراستها المنشورة. كما أصدرت مجلة نيو إنجلاند إشعاراً مشابهاً.

وأضافت "الغارديان" أنّ تحقيقها أفضى إلى ما يلي عند فحص بيانات الشركة المتاحة للجمهور: العديد من موظفي Surgisphere ليس لديهم بياناتٍ أو خلفيّةٍ علميّةٍ، فإما تكون قليلةٍ أو معدومة، صفحة LinkedIn عن الشركة لديها أقل من 100 متابع، كما أدرجت قبل أسبوعين تقريباً ستة موظفين، ثم جعلتهم ثلاثة، وفي حين ادّعت الشركة أنّها تدير واحدةً من أكبر قواعد بيانات المستشفيات وأسرعها في العالم، إلّا أنّه ليس لها وجود على الإنترنت تقريباً، كما يحتوي حسابها على موقع تويتر أقل من 170 متابعاً، وبدون مشاركات بين أكتوبر/تشرين أول 2017 ومارس/آذار 2020.

وذكرت الصحيفة أنّه حتى تاريخ نشر التحقيق في الثالث من يونيو/حزيران الجاري، تمّت إعادة توجيه رابط "التواصل" في صفحة Surgisphere الرئيسيّة إلى نموذج WordPress لموقع ويب مشفر، ما أثار أسئلة حول كيفيّة اتصال المستشفيات بالشركة بسهولة للانضمام إلى قاعدة بياناتها.

كما كشفت "الغارديان" أنّه تم تسمية مدير الشركة في ثلاث دعاوى سوء تصرف طبيّ، لاعلاقة لها بقاعدة بيانات الشركة، وهو ما ردّ عليه وقتها ديساي أنّه عارٍ عن الصحة.

في عام 2008 وهو العام ذاته الذي تأسّست به الشركة، أطلق ديساي حملة تمويل جماعيّ على موقع Indiegogoلترويج لجهازٍ طبيّ، لم يأتِ قط بثماره.

وحول كيف تسربت هذه الشركة إلى الأروقة والمجلات العلميّة ذات القدر، تروي "الغارديان" بداية القصة: في 22 مايو/أيار، نشرت مجلة The Lancet دراسة وجدت أنّ عقار مضاد للملاريا هيدروكسي كلوروكين، والذي تم الترويج له من قبل دونالد ترامب، ارتبط بارتفاع معدل الوفيّات في مرضى Covid-19 وزيادة مشاكل القلب.

وادّعت دراسة لانسيت، التي أدرجت مدير الشركة ديساي كواحد من المؤلفين المشاركين، أنّها توصلت إلى هذه النتيجة بعد أنْ حلّلت بياناتٍ صادرةٍ عن شركةSurgisphere التي تم جمعها من حوالي 96000 مريضٍ مصاب بـ Covid-19، في 671 مستشفى من قاعدة بيانات الشركة التي تضم 1200 مستشفى حول العالم، ممن تلقّوا عقار هيدروكسي كلوروكوين بمفرده أو بالاشتراك مع المضادات الحيويّة.

هذه النتائج السلبيّة التي توصّلت إليها الدراسة دفعت منظمة الصحة العالميّة إلى وقف عقار هيدروكسي كلوروكوين في تجاربها العالميّة، واتخاذ قرارات من قبل كثير من الحكومات بشأنه، لكن ماذا اكتشفت صحيفة الغارديان حول قاعدة البيانات الصادرة عن الشركة؟

كشفت الصحيفة عن أخطاءٍ صارخةٍ في البيانات الأستراليّة المدرجة في الدراسة، ففي حين قالت الدراسة إنّ الباحثين وجدوا في خمسة مستشفياتٍ 600 مريضٍ أستراليّ بفايروس Covid-19 و73 حالة وفاة لأستراليّين حتى 21 أبريل/ نيسان الفائت، إلّا أنّ بيانات جامعة جونز هوبكنز تُظهر أنّه تم تسجيل 67 حالة وفاة فقط من Covid-19 في أستراليا بحلول 21 أبريل/نيسان الفائت، ولم يرتفع الرقم إلى 73 حتى 23 من الشهر ذاته، وهنا قال ديساي إنّ أحد المستشفيات الآسيويّة تم إدراجه بطريق الخطأ في البيانات الأستراليّة، مما أدّى إلى المبالغة في تقدير الحالات هناك.

كما اتصلت صحيفة الغارديان بأكثر من خمسة مستشفياتٍ في ملبورن وفي سيدني، للوصول إلى أعداد المرضى الأستراليّين في قاعدة البيانات، ونفت هذه المستشفيات أيّ دورٍ في قاعدة البيانات هذه، بل قالت إنّها لم تسمع عن شركة Surgisphere.

وتستمر الصحيفة في كشف مزيداً من الخدع والمعلومات الطبيّة الزائفة في البيانات التي استندت إليها الدراسات العلميّة حول حقيقة خطر العقار وتأثيره على مرضى كورونا، ما يثير تساؤلاً، كيف نالت هذه الشركة الطبيّة الثقة؟، واستطاعت بناء قاعدة بياناتٍ وهميّةٍ خدعت بها اثنتين من أفضل المجلات العلميّة، وعلى أساسها وضعت منظمة الصحة العالميّة سياساتها الطبيّة ثم اضطرت لتغييرها حين انكشف أمر الشركة ومخالفات مديرها

المصادر:

The Guardian

Washington Post

اقرأ أيضاً

الأكثر قراءة