` `

الصحافة كرقيب: ثلاثة نماذج سينمائية

حارث الطوس حارث الطوس
ثقافة وفن
18 أغسطس 2020
الصحافة كرقيب: ثلاثة نماذج سينمائية
(Getty) يبدو أن معركة الصحافة اليوم قد تغيّر شكلها

في عصر الانحيازات والاستقطابات توظف الأدوات لتختم سردية صاحب السلطة، وتنهمر أمواج الأخبار الزائفة والمضللة، وفي حقيقة الأمر فإن إخفاء الحقيقة دون قول شيء هو في حد ذاته تزييف وتغييب متعمد.

على مدى التاريخ القريب حضرت السينما لإعادة رواية أحداث مفصلية كانت فيها الصحافة رجل الرقابة الأول، وحضرت فيها بصمات الصحفيين التي حسمت الكفة لصالح الحقيقة في مقابل الزيف، في هذا التقرير نتتبع ثلاثة من أبرز الأفلام التي أعادت سرد الأحداث التي وثقتها الصحافة بعين السينما.

كل رجال الرئيس

الفيلم مستوحى من كتاب أصدره كارل بيرنستن وبوب وودوارد صحفيا ذا واشنطن بوست، صدر عام 1976، ويوثق حادثة مبنى ووترجيت في واشنطن. يبدأ المخرج الفيلم بمشاهد لأجهزة تنصت وجهاز لاسلكي وكاميرتين ومفكرة شخصية ومبلغ مالي، هذا ما كل ما وجد في ساحة مبنى الحزب الديموقراطي المقتحم، يوم العرض على المحكمة يتبين أن للمقتحمين محاميان خاصان على غير العادة، رغم أنهم لم يجروا مكالمات هاتفية بعد اعتقالهم، ويظهر أن أحدهم مستشار أمني متقاعد من الاستخبارات المركزية وأربعة آخرون من ولاية أخرى في الأصل.

بتفحص سريع في أحد مفكرات المتهمين الموجودة في مسرح الاقتحام يرد اسم هوارد هنت، فيبدأ بحث صحفي متسلسل من مصدر لآخر ليتبين أنه كان يعمل لدى الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) منذ عام 1949 حتى 1970، وتعتقد الإف بي آي أنه متورط في الاقتحام، ويكتشف الصحفيان أنه يعمل حالياً كمستشار لتشارلز كولسن مستشار الرئيس الأميركي الخاص.. لينتقل الخبر مباشرة من مجرب عمود في صفحة الحوادث في الصحيفة ليصبح تحقيقاً وطنياً متهماً فيه البيت الأبيض.

أثناء التحقيق تبدأ المصادر الرسمية بتضليل الصحفيين، إذ تتناقض إجاباتهم لذات السؤال، وتختفي مستندات رسمية بحجة أنها سرية، فتبدأ لعبة المصادر البديلة ويلجؤون لتعقب مكالمات اللصوص وحوالاتهم البنكية من خلال علاقاتهم الشخصية في المؤسسات، فنجحوا في ربط أحد الشيكات المحوّلة إلى أحد مقتحمي مبنى ووترجيت بلجنة إعادة انتخاب الرئيس نيكسون عن طريق أحد المتبرعين، فيعود الصحفيان لتعقب المصادر فرداً فرداً ويحضر ذات الرد، الجميع يرفض الحديث بصورة مريبة، في نهاية الأمر، يَخْلُصون إلى أن المدعي العام في البلاد كان مسؤولاً عن حساب سريّ في الحزب الجمهوري قبل أن يستقيل ويصبح مديراً لحملة إعادة انتخاب الرئيس نيكسون، ليصل الأمر هنا لنقطة اللاعودة.

اكتشف الصحفيان أثناء رحلة بحثهم أن أحد الأشخاص الخمسة المسؤولين عن الأموال كان الرجل الثاني بعد الرئيس، جون هالدمان كبير موظفي البيت الأبيض وكبير مساعدي نيكسون، واستطاعا اتهامه مباشرة بارتكاب جريمة داخل البيت الأبيض، والأهم من ذلك أن الأف بي آي قد تغاضت عن حقائق عدّة بل وحاولت إخفاءها.

المباحث الفيدرالية، والاستخبارات المركزية، ووزارة العدل، وقائمة من التواطؤ تطول، بل "كل المجتمع الاستخباراتي الأميركي" على حد تعبير رئيس التحرير في ذا واشنطن بوست. لم يكن الهدف من المنظومة التنصت على ووترجيت بقدر ما كانت إخفاء ما هو أعمق منها. أدت التحقيقات التي نشرت في ذا واشنطن بوست التي أصبحت تعرف بقضية ووترجيت إلى إدانة مسؤولين كبار في الإدارة الأميركية، وإثبات علم الرئيس نيكسون بالممارسات وإجباره على الاستقالة في نهاية الأمر.

The Post

أحداث فيلم The Post تجري خلال فترة السبعينيات من القرن الماضي، وتستعرض قصة حقيقية لصحفيي صحيفة ذا نيويورك تايمز وذا واشنطن بوست، ومحاولتهم تقصي ونشر ما يُسمى وقتها بأوراق البنتاغون، وهي وثائق وتقارير سرية حول تورط حكومة الولايات المتحدة لمدة 30 سنة في حرب فيتنام مضللة الرأي العام بمعلومات غير دقيقة عن نتائج الحرب.

نُشرت المادة التحقيقية ضمن سلاسل صحفية، فكشفت عن أكاذيب حاكتها الإدارة الأميركية طوال 30 عام بما يخص الحرب الفيتنامية، امتدت على طول الفترة الرئاسية لأربعة رؤساء أميركيين. حينما تعلم الإدارة الأميركية بوصول الوثائق لأيدي الصحافة، يحاول الرئيس نيكسون منع ذا نيويورك تايمز من النشر بأمر المدعي العام بحجة خرق سرية الوثائق، فاعتبرت ذا واشنطن بوست نفسها قد دخلت اللعبة، باعتبار طالما سيتم إسقاط ذا نيويورك تايمز، فلن يكون هناك لعبة من الأساس، وسيكونون هم التالي.

بعد صدور الأمر القضائي الذي منع ذا نيويورك تايمز من النشر، استطاعت ذا واشنطن بوست الحصول على أربعة آلاف وثيقة سرية من هذه الوثائق، لتبدأ القصص تتوالى، إذ يبدو أن ذا نيويورك تايمز لم تخدش سوى السطح، تارة تظهر مذكرة تدل على تعمد تضليل الرأي العام حول الحرب الفيتنامية، ووثائق داخلية تشكك بالفوز تارةً أخرى، رافق ذلك استدعاء فريق تحرير ذا واشنطن بوست لمحاميين ومستشارين قانونيين يتابعون معهم على طول الخط تحسباً دون وقوع أي مخالفة قانونية تعرقل نشرهم للمواد الصحافية الخاصة بهم.

يدخل فريق التحرير ومستشارو وملّاك الصحيفة في جدال مهني-أخلاقي حول النشر، يرى الرأي الأول أن نشر المواد سيعني حتمية إغلاق الصحيفة قضائياً، ويرى المحررون والصحفيون أنها معركة الصحافة الحرة في وجه الممارسات السلطوية، وأن الفائز من هذا الجدال هو من يسعى لتخبئة الحقيقة عن عيون الناس، ولا وسيلة على تأكيد حق النشر سوى بالنشر نفسه.

في هذا الفيلم الذي صدر عام 2017، يحاول فيه المخرج سبيلبيرغ اجترار قضايا ترامب من التاريخ، من خلال ميريل ستريب (مالكة الصحيفة) وتوم هانكس رئيس التحرير، ويرسل خلاصة لإعادة توجيه البوصلة نحو الصحافة التي تضع قيم الشفافية والحرية كقيم عليا.

Spotlight

يعيد الفيلم تناول أحد أهم التحقيقات الصحفية في التاريخ الأمريكي، بعد أكثر من عشر سنوات على إنتاجه صحفياً، يأتي مرة أخرى في قالب السينما ليتم ترشيحه أيضاً لستة جوائز أوسكار، بعد أن فاز صحفيوه بجائزة بوليتزر 2003.

يبدأ الفيلم برئيس التحرير الذي يمر على خبر عن تحرّش قس بطفل صغير، وللمفارقة أن الخبر لم يرد إلا في عمود صغير، فيطلب من صحفيي الفريق بدء العمل على هذه القضية ومحاولة تتبعها.

فريق العمل المكون من صحفيين استقصائيين يُعنى بالعمل على مواد طويلة الأمد، تحقق في القضية الواحدة وخلفياتها لأشهر عديدة، وتضعها في قالب معمّق للقارئ، ليكتشف الفريق أن الخبر الصغير الذي انطلق منه يكمن وراءه عديد الحالات المتشابهة، والأهم هو علم الكنيسة بحجم الكارثة، وبدلاً من المحاسبة كانت تكتفي بأن تقوم بنقل القساوسة المتورطين إلى كنائس أخرى، بل وسعيها لإخفاء الأمر بالضغط على أولياء الأمور لعدم تصعيد القضية.

الهدف من الفيلم كان لإعادة مركزية الصحافة كأداة قوة حقيقية، بحسب توم مكارثي كاتب الفيلم. "القصة ليست حول فضح الكنيسة الكاثوليكية، فليس هدفنا هدم إيمان الناس، بل نقل القصة بطريقة دقيقة لنظهر قوة الصحافة التي اختفت الآن، هذه القصة مُهمّة، وأيضاً الصحافة مهمة، وهناك الكثير من الرسائل الضرورية وراء هذه القصة".

بعد عرض الفيلم صدرت عدد من ردود الأفعال من الكنيسة الكاثوليكية، ولكنها كانت مرحبة بالفيلم ولم تدعُ المؤمنين بها إلى عدم مشاهدته، بل أقرت بدور فريق سبوت-لايت في كشف هذه الأحداث المخزية بطريقة أمينة، والتي أجبرت الجميع على تحمل عواقب أفعالهم.

معركة طويلة

تشترك الأفلام الثلاثة في محاولة إيصال فكرة تعمّد السلطة إلى الإنكار في غالب الأحيان، وإنكار صلتها بنتائج التحقيق، لكن هذا لا يعني أنها تقدّم الرواية المقابلة، هو فقط "إنكار لأجل الإنكار" وعدم طرح الحقيقة البديلة.

والأسوأ من عدم الإيقاع بالمسؤول هو ألّا توقع به بشكل صحيح.. وجعل الناس يتعاطفون معه.  في الصحافة المتأنية لا بد أن تأتي القشور في المرحلة الأولى ومن ثم الانتقال خطوةً بخطوة، فأنت إذا صوبت إلى الهدف الكبير وأخطأته سيشعر جميع الصغار حوله بالأمان، خطأ واحد قد يعيد تحقيقك أشهراً إلى الوراء.

ويبدو أن معركة الصحافة اليوم قد تغيّر شكلها، فقد تجاوزت السلطة إنكار الحقيقة وإخفائها إلى تعمّد التضليل والتزييف، فخلال الأعوام القليلة الماضية ظهرت منصاتٌ عديدة كانت مسؤوليتها فقط تدقيق الحقائق وكشف زيف الادعاءات، مواقع كـ"أكاذيب بوريس جونسون" الذي أطلقه الصحفي بيتر أوبورن لجمع التصريحات المضللة التي يطلقها رئيس وزراء بريطانيا، ومنصة ذا واشنطن بوست التي أنشأتها الصحيفة خصيصاً لتتبع كذبات دونالد ترامب الذي يبدو أنه وحتى آخر تحديث للمنصة في التاسع من يوليو كان قد أطلق أكثر من عشرين ألف تصريحاً خاطئاً أو مضللاً.

الأكثر قراءة