` `

الفيلم الوثائقي تحت الشمس: أشكال البروباغندا ودور الأيديولوجيا في كوريا الشمالية

نور حطيط نور حطيط
سياسة
11 مايو 2022
الفيلم الوثائقي تحت الشمس: أشكال البروباغندا ودور الأيديولوجيا في كوريا الشمالية
تحت الشمس فيلم وثائقي يطرح قضايا التضليل الدعائي والإيديولوجي (غوغل)

يُعرَف المخرج الأوكراني-الروسي، فيتالي مانسكي، بكاميرته الثاقبة التي تجول كالعين الزجاجية، تسجّل وتتسلّل في الظلام وتُصوّر المحظور وتسعى بصمت لكشف الحقائق ونبش المجهول.
يلقي المخرج الضوء بسلاسة، على ما يجب فضحه في عالمٍ يمثّل صدى للتضليل واغتيالًا للواقع الحقيقي، إذ يبدأ مانسكي فيلمه الوثائقي "تحت الشمس" (Under the sun) بهذه الجملة “نصّ هذا الفيلم تمّ تسليمه لنا من قبل كوريا الشمالية، قامت بتوفير خدمة مرافقة لنا على مدار الساعة، واختارت كل أماكن التصوير، وأشرفت على كلّ ما قمنا بتصويره، كي تحرص على عدم ارتكابنا أيّة أخطاء في إظهار حياة عائلة عادية مثالية في أفضل بلد في العالم”.
تدفعنا هذه الجملة نحو التساؤل عن الأسباب التي تدفع كوريا الشمالية لمراقبة الفنّ، ونجد الإجابة في كونها تقوم بتطويع أي موضوع لا يخدم أيديولوجيتها، ويشكّل خطرًا على النمط الذي تعوّد "الكوريون" اتّباعه.

جمباز الشعب الإيقاعي

يبدأ الفيلم بلقطات قد تظهر في بداية الأمر -غير مترابطة-  تلهث خلف أحداث يومية في المدينة، لكنّها تصب في قالب واحد: الولاء للقائد. في الصباح تلاحق الكاميرا الناس الذين يبدأون نهارهم بـ "جمباز الشعب الإيقاعيّ"، يركضون على إيقاع واحد، يتّبعون تعاليم الأستاذ المساعد في تنظيم حركة أجسادهم لإظهار إرادة الشعب النشطة في النشاط التعاوني وفي حفاظهم على القيم الاجتماعية السليمة. في السادسة صباحًا يستيقظ الجميع على أصوات أحد الأناشيد الثورية. 
تنتقل الكاميرا إلى الشارع وترصد سيارة مارقة تحمل مكبِّر صوت على سطحِها، يقول للمارة بما معناه "وان هارت يونايتد" أو  "الوحدة الوطنية تحت قلب واحد"، وهي "مؤسسة سياسية قوية لبناء أفضل دولة شيوعية في العالم". ويتابع المتحدث قائلًا "قررنا أن نغرس ذلك في عقول الجموع عن طريق تقوية الوعي ورفع روح الوحدة في قلوب الكوريين. ومن الضروري جدًّا إظهار إرادة الشعب النشطة في بناء دولة قوية ومزدهرة من أجل كيم إل سونغ. إنها معركة يخوضها جيش كيم المحبب بمجد لحماية قيم الوطن والإبقاء على ضمير نبيل وإيمان خالد حتى نهاية العالم".

إعادة إنتاج الأيديولوجيا

تصطحبنا كاميرا مانسكي أيضًا إلى منزل عائلة عادية تقطن في العاصمة بيونغ يانغ، تستعد فيها الشخصية الرئيسية للفيلم، وتدعى زين مي، للانضمام إلى اتحاد الأطفال الكوري في يوم النجم الساطع (عيد ميلاد كيم جونغ إيل).
مرة أخرى قبل دخولهم الصف، تتبع الكاميرا زين مي وأصدقاءها في المدرسة وهم يقومون بتأدية طقوس من الطاعة الكاملة لصورة القائد وابنه. ومن الجدير ذكره، أن الركوع للتماثيل المجسدة بالقائد وابنه والحفيد وترديد العبارات الممجدة لهم، يُعدّ فعلًا إلزاميًا وضروريًا لدى الأطفال في جميع المدارس، في بلدٍ مثل كوريا الشمالية.
ويكون لزامًا على المعلمة في بداية الحصّة الدراسية، البدء بشرح كيفية طرد الزعيم لليابانيين الذين يعتبرونهم أعداء وتحرير البلاد منهم. ويصبح تضخيم صورة القائد ورفعه إلى مصاف القديسين بمثابة قانون ينبغي على الطلاب حفظه عن ظهر قلب. كما يرافق ذلك صوت المعلمة الذي يحمل طابعًا تحريضيًا، لتظهر وهي تُلقّن طلابها عبارات تكرّس كرههم لليابانيين إلى الأبد.

ثمّ تجول الكاميرا مرة أخرى، لتلتقط لوحات معلقة تضمّ عبارات مثل "الخلود لاشتراكية بلدنا".
يعيدنا هذا المقطع الذي أعدّه مانسكي بحذر، إلى ما اصطُلِح على تسميته "غسيل الدماغ". وتقول لنا الكاتبة كاثلير تيلر إنّه خلاف ما يتوقع البعض، من أنَّ أصل المصطلح يعود للحرب العالمية الثانية، إلّا أنه في الواقع نتاج الحرب الكورية التي بدأت عام 1950. وعندما قررت كوريا الشمالية، مدعومة من النظام الشيوعي الصيني غزو جارتها كوريا الجنوبية التي استنجدت بالأمم المتحدة التي كانت حديثة النشأة في ذلك الوقت، وهي قوّة متعددة الجنسيات تضمّ جنودًا أميركيين. وقد لاحظ حينها الأميركيون أنّ شيئًا غريبًا قد طرأ على الأفراد الذين وقعوا أسرى حرب في أيدي "العدو"، إذ تحوّلوا إلى مؤيدين شرسين لجلّاديهم، ما دفع عميل المخابرات المركزية الأميركية إدوارد هنتر لدراسة حالة الضحايا.
وخلص هنتر إلى تعريف مصطلح "غسيل الدماغ" أنّه تغيير العقل بصورة جذرية تجعل من صاحبها دمية حيّة (إنسانًا آليًا)، دون أن يلاحظ هذا العمل الشرير من الخارج. والهدف هو إنشاء آلية من اللحم والدمّ بمعتقدات جديدة وآليات تفكير جديدة تولج في جسم أسير.  وما ترمي إليه هو البحث عن عرق مستعبد يمكن الوثوق به، على عكس عبيد الأزمنة الغابرة، بألّا يثور أبدًا، وأنْ يكون خاضعًا دائمًا للأوامر، مثل حشرة تسيّرها غرائزها.
يبين مانسكي في عرضه للفيلم، أنَّ النظام التعليمي في كوريا الشمالية، والذي تشكّل المدرسة نواته الأساسية، هو جهاز الدولة الكورية، المستخدم لإعادة إنتاج أفكارها، وغسل دماغ الأطفال الناشئين في طور تحضيرهم لكي يصبحوا مواطنين "صالحين" وعمالًا مخلصين لقائدهم العظيم. 
يضيف المخرج ملاحظة على العمل بقوله "الأطفال يعيشون على الأرجح في المدارس، كما يسري الأمر ذاته على المصانع، إذ قمنا بتصوير والديّ زين مي في العمل؛ فالعمال يعيشون في ثكنات".

الأمر ذاته الذي يذكّرنا بقول الفيلسوف الفرنسي لويس ألتوسير "المدرسة تلقّن مهارات ولكن في أشكال تضمن الخضوع والإذعان للأيديولوجية السائدة، ونمط الذات هو نفس النمط الذي تتسم به الأيديولوجيا أيًّا كان تعريفها".

الصورة في خدمة العقيدة

تعرض الكاميرات التي حرص طاقم العمل على إظهارها وكأنها لا تعمل، صورًا للقادة الكوريين وهي تملأ الشوارع والمواصلات العامّة، في المترو والباصات والقطارات، وكذلك في المنازل.
 وترصد الكاميرا خلو شوارع  بيونغ يانغ العاصمة من اللافتات الدعائية، سواء كانت تجارية أو ثقافية أو سياسية مُخالفة، وبدلًا عنها تنتشر على مدّ النظر، صور للقادة آل كيم ودعايات سياسية تمجّد النظام الكوري الذي يعمد إلى ترسيخ عقيدته عبر كل وسائل البروباغندا المتاحة.
في الفيلم يصطحب والدا زين مي ابنتهما إلى ساحة ماتسوداي، وينحنيان مع سائر المواطنين أمام تمثالين عملاقين للقائدين الجد والأب كيم جونغ إيل، يُقدم جميعم الهدايا والأزهار، مع ميزة السماح لهم بتداول الصور أمام التمثالين اللذين جرى نحتهما عبر الزمن، من عقيدة واحدة، عقيدة "الولاء للقائد".

إذًا، تقوم السلطات المتعاقبة على كوريا الشمالية بإنتاج المعرفة والخطاب حيث يغدو كلّ شيء مرئيًّا، باعتباره مثالًا يحمل في طياته جرثومة فتّاكة تتمثل في التشابه، إذا أردنا استعارة العبارة من الفيلسوف، روجيس دوبريه.

"كوريا، أرض الشمس المشرقة، هي الأجمل في العالم الشرقي"

ينتهي الفيلم الوثائقي "تحت الشمس"، بلقطة مقرّبة لوجه زين مي وهي تجهش بالبكاء، عاجزة تقريبًا عن قول شيء، فيطلب منها استذكار قصيدة مبهجة، تبدأ بقراءة قصيدة عالقة في ذاكرتها، تقول فيها “أسسه القائد العظيم كيم آل سونغ، أنماه القائد اللامع كيم جونغ إل، وتزعّمه القائد المحترم كيم جونغ أون. لقد انضممت لاتحاد الأطفال المجيد، وأُقسم دائمًا وبكل مكان، أن أفكّر وأتصرف بروح القائد الأعلى العظيم، ووفقًا لتعاليم القائد المحترم كيم جونغ أون، لكي أصبح جندية موثوقة في الاحتياط، بحركة زوتشيه الثورية، من أجل بناء شيوعية، تستمر من جيل إلى جيل. أقسم على ذلك”.
ربما أراد مانسكي من خلال هذه اللقطة أن يبيِّن مساوئ النظام وأجهزته التي تستبدّ في البلاد، ما يذكرنا بمقاطعة أوشينيا الخيالية في رواية جورج أورويل "1984". تلك المقاطعة التي تخضع لحكم الأخ الأكبر (The Big Brother)، وهو رئيس الحزب الواحد المسيطر على كل شيء، يخضع له الجميع ويكرّس سياسة الحزب الواحد الفكري، ويخفي الحقيقة لمنع المواطنين جميعًا من التفكير خارج بوتقة السلطة الحاكمة.

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم واغ ذا دوغ وإشكالية تصنيع الواقع

فيلم لا تنظر للأعلى يطرح قضية التضليل الإعلامي والسياسي وقت الأزمات

المصادر والمراجع:

Under The Sun

غسيل الدماغ – علم التحكم بالتفكير

الأكثر قراءة