` `

هل يمكن جمع كلمة حياة في العربية؟

ثقافة وفن
27 يناير 2021
هل يمكن جمع كلمة حياة في العربية؟
لا يمكن جمع كلمة حياة إلاّ عندما تدل على الاسم، وليس على المصدر (Getty)
صحيح

تحقيق مسبار

تثير لفظة الحياة بدلالتها المصدرية والاسمية معًا الخلافات بين النحاة والمختصين في علم الصرف، حول جمع كلمة، والصيغ التي يمكن أن تنتقل إليها من الإفراد إلى الجمع. وعلى الرغم من أننا قلّما نحتاج إلى جمع كلمة حياة في كتاباتنا وتعبيراتنا الشائعة، إلا أنه وردت عن بعض المتقدمين اجتهادات لغوية في هذا الإطار، بينما يشيع في الاستعمال اللغوي العربي المعاصر صيغة جمع مشهورة لكلمة حياة.

تجيب هذه المقالة عن مدى إمكانية جمع كلمة في اللغة العربية، وعن الصيغة السليمة لهذا الجمع، إضافة إلى الدلالات التي تحملها.

 

الحياة ودلالاتها الاشتقاقية

الحياة لفظ مفرد مشتق من مادة الجذر "ح ي ي"، وهي مصدر للفعل "حيِيَ" وتعني في معجم اللغة العربية المعاصرة استمرار بقاء الكائنات بروحها، ومرادفها عيشة، وهي نقيض الموت. يُقال أودى الشَّيء بحياة فلان: ذهب به، وأهلكه. وترد لفظة الحياة منعوتة في الاستعمال اللغوي الشائع بالكثير من النعوت كالحياة الأَبَديَّة: الحياة الآخرة، والحياة الباقيةُ: الحياة الآخرة، والحياة الدُّنيا: الحياة في عالمنا هذا، وعكسها الحياة الآخرة. والحياة العصريَّة وتعني مواكبة الموضة ومتطلّبات العصر.

ويقال فلان بين الحياة والموت أي يعاني سكرات الموت، ودخل في حالة النزع. أمّا تجارب الحياة فتعني الخبرة التي يكتسبها الإنسان من المواقف والأحداث والأشخاص، وحياة اجتماعيّة: ما يتصل بالوضع الاجتماعيّ عامّة، وحياة خشنة: فقيرة. وحياة عائليّة: تتصل بالأسرة. ويُقال فلان عرَكتْه الحياة أي أنه محنَّك، مجرِّب، وفلان على قَيْد الحياة أي ما زال حيّاً.

الحياة بين المصدر والاسم

بين هذه الاشتقاقات يمكن أن ترد كلمة "حياة" مصدرًا، أي لفظًا دالًا على حدث لا يقترن بزمن. ويمكن أن ترد بدلالة اسم المصدر، أي كل ما دل على الحدث لكن بوساطة من المصدر نفسه. وفي لفظة الحياة لا يتضح الفرق بين المصدر واسم المصدر إلا معنويًا من خلال السياق الذي توظّف فيه اللفظة. وتأتي أهمية التمييز بين الدلالة المصدرية والدلالة الاسمية نظرًا لانعكاسها على مسألة قابلية اللفظ للجمع. إذ يميل اللغويون عادة إلى عدم جمع المصادر بينما تقبل الأسماء أن تُجمع.

ويلخص فقهاء اللغة الفرق بين المصدر واسم المصدر في الفارق المعنوي، وهو أن المصدر اسم دالٌّ على الحدث مجردًا من الزمن، واسم المصدر اسمٌ دالٌّ على معنى المصدر ونقص عن حروف فعله بدون تقدير للمحذوف، ولا تعويض منه، فالمصدر يدل على الحدث بنفسه، أما اسم المصدر فيدل على الحدث بوساطة المصدر لا بنفسه.

 فإذا أخذنا على سبيل المثال ألفاظًا من قبيل: عطاء، وثواب، وعون، ونبات، تجد أن هذه الأسماء ليست مصادر لكن أسماءَ مصادر، فهي تنقص عن حروف أفعالها على التوالي: أعطى، وأثابَ، وأعانَ، وأنبتَ، ومن ثمّ فهي أسماء لمصادرها وليست مصادر لها، إذ إن مصادرها القياسية التي تستوفي حروفها دون نقص أو تقدير هي: إعطاء، وإثابة، وإعانة، وإنبات. ونتيجة لهذه المقارنة يتضح لنا سهولة جمع كلمة عطاء على عطاءات ونبات على نباتات، لكن بالمقابل يصعب جمع إعطاء على إعطاءات، وإنبات على إنباتات.

 

هل يمكن جمع كلمة حياة في العربية؟

بناءً على التمييز بين لفظ الحياة في سياق المصدر وفي سياق الاسم، يتضح لنا أنّه لا يمكن جمع كلمة حياة إلاّ عندما تدل على الاسم، وليس على المصدر. وقد أورد مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية فتوى بخصوص جمع كلمة حياة، تحت رقم 915، تؤكد على القاعدة السالفة. وجاء في هذه الفتوى اللغوية ما يلي: "إذا أُريدَ بالحَياةِ المَصْدَرُ وهو: حَيِيَ يَحْيَا حَياةً فَلا جمْعَ لَه في القياس، كَما في قَوله تَعالى: «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» [النحل:97] ـ وإذا أريدَ به الاسْمُ كما في قوله تعالى: «ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ يا أولي الألبابِ لَعلَّكُمْ تَتَّقونَ» [البقرة:179]؛ فإنّه يُجْمَعُ عَلى حَيَوَات. ويُنبَّهُ أيضًا على أنّ الحَيَواتِ جَمْعٌ لكل ما هو حيٌّ، وجَمْعٌ للحيَّةِ أيضًا".

 

ما هو جمع كلمة حياة في العربية؟

كما ورد في الفتوى اللغوية السابقة فإن جمع كلمة حياة هو "حيوات" إذا كان يراد بها الاسم. وقد أورد بعض اللغويين البغداديين جمعًا آخر بصيغة "حِيّ" بكسر الحاء وتشديد الياء، قياسا على "عِصي". وهذا ما أورده الزبيدي في كتابه "تاج العروس" إذ قال: {والحيُّ بِالْكَسْرِ جمع الحياةِ وَيَقُولُونَ كَيفَ أَنْت وَكَيف حَيَّةُ أَهْلكَ، أَي كيفَ من بَقِيَ مِنْهُم} حَيّاً. وكلُّ مَا هُوَ حَيٌّ فجَمْعُه {حَيَواتٌ}. لكن هذا الجمع لم يقبله الكثير من اللغويين واعتبروه قياسًا غير مقبول. وقال بعضهم ردًا على هذا القياس، "ومن زعم أنّ حِيّ، جمع حياة، كبدنة وبدن، فإن قوله غير متّجه لأن باب المصادر الأعمّ فيها أن لا تجمع، ولأنه لو كان جمعا لفعل لجاء فيه الضمّ، والكسر".

مصادر مسبار

شارك هذا التحقيق على