` `

هل فتحت الجزائر مجالها الجوي للطيران العسكري الفرنسي تمهيدًا لتدخله في النيجر؟

عبد الله كمال عبد الله كمال
سياسة
28 أغسطس 2023
هل فتحت الجزائر مجالها الجوي للطيران العسكري الفرنسي تمهيدًا لتدخله في النيجر؟
الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفرنسي إيمانويل ماكرون (Getty)

في 21 أغسطس/آب الفائت، نشرت الإذاعة الوطنية الجزائرية خبرًا مفاده أن الجزائر رفضت طلبًا رسميًا، تقدّمت به فرنسا للسماح لطائراتها بعبور الأجواء الجزائرية، لشنّ هجمات عسكرية ضد الانقلابيين في النيجر

لقطة شاشة للخبر الذي نشرته الإذاعة الجزائرية
لقطة شاشة للخبر الذي نشرته الإذاعة الجزائرية

الجيش الفرنسي ينفي طلب استخدام المجال الجوي للجزائر

لكن قيادة أركان الجيش الفرنسي، نفت في اليوم التالي تقديم فرنسا طلبًا لدى الجزائر لاستخدام مجالها الجوي في تنفيذ ضربات عسكرية في النيجر. وصرّح مصدر في الجيش الفرنسي لوكالة رويترز "تنفي هيئة الدفاع الفرنسية المشتركة تقديم طلب للتحليق فوق الأراضي الجزائرية".

لقطة شاشة لتقرير رويترز حول تصريح قيادة الأركان الفرنسية الذي ينفي تقديم طلب للجزائر لعبور مجالها الجوي
لقطة شاشة لتقرير رويترز حول تصريح قيادة الأركان الفرنسية الذي ينفي تقديم طلب للجزائر لعبور مجالها الجوي

وتداولت بعد ذلك حسابات على موقع التواصل الاجتماعي إكس (تويتر سابقًا)، ادعاءات مفادها أن طائرات عسكرية فرنسية تحمل العتاد والجنود، قد عبرت بالفعل المجال الجوي الجزائري متّجهة نحو النيجر. وأرفقت تلك الادعاءات بلقطات شاشة من موقع فلايت رادار24، تُظهر طائرتين تعبران الأجواء الجزائرية، هما AFR754 وMMFMED1.

ما حقيقة الطائرتين اللتين عبرتا المجال الجوي الجزائري؟

باستخدام بيانات منصة Flightradar24، وجد "مسبار" أن AFR754 هي طائرة مدنية من طراز بوينغ (Boeing 777-328/ER)، تابعة لشركة الخطوط الجوية الفرنسية.

وقامت الطائرة بثلاث رحلات جويّة في 23 يوليو/تموز 2023 (التاريخ المذكور في الادعاءات المنتشرة). وانطلقت رحلتها الأولى من العاصمة الفرنسية باريس في الساعة 10:30 صباحًا، ووصلت إلى برازافيل، عاصمة جمهورية الكونغو، في الساعة 18:07 من مساء اليوم نفسه. 

صورة متعلقة توضيحية

وبتتبّع مسار الطائرة عبر "Flightradar24"، يتّضح أنها لم تعبر المجال الجوي لدولة النيجر ولم تحطّ بها، فقد أقلعت من العاصمة باريس واتجهت جنوبًا عابرة الأجواء الجزائرية نحو مالي، ثم بوركينافاسو وتوغو وبنين ونيجيريا وغينيا الاستوائية، قبل أن تحطّ أخيرًا في العاصمة الكونغولية برازافيل.

صورة متعلقة توضيحية

وتوقفت الطائرة في مطار جمهورية الكونغو برازافيل نحو نصف ساعة، قبل أن تُقلع منه في الساعة 18:46 مساءً باتجاه كينشاسا، عاصمة الكونغو الديمقراطية، قبل أن تحطّ في مطارها في الساعة 20:12 مساءً.

صورة متعلقة توضيحية

وبعد قرابة ساعة، أقلعت الطائرة من جديد عائدة إلى العاصمة الفرنسية باريس، وحطّت فيها في الساعة 6:56 من صباح يوم 24 أغسطس الجاري. وعبرت الطائرة في طريق عودتها المجالات الجويّة لكل من الغابون وغينيا الاستوائية ونيجيريا وبنين وبوركينا فاسو ومالي والجزائر، متفادية المجال الجوي للنيجر.

وتبيّن من خلال بيانات Flightradar24 أن الطائرة الحاملة لرمز (MMFMED1) هي من نوع إيرباص (Airbus A330-243MRTT) مصممة للنقل والتزويد بالوقود، وأنها تابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو). وقامت هذه الطائرة برحلتيْن إلى النيجر خلال السنة الجارية. كانت أولاهما بتاريخ 23 يوليو/تموز 2023، أي قبل ثلاثة أيام من الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم. وانطلقت الطائرة في الساعة العاشرة صباحًا من قاعدة رامشتاين الجويّة التابعة لحلف الناتو، الواقعة في مدينة كولن الألمانية، قبل أن تعبر المجال الجوي الجزائري وتحطّ في العاصمة النيجرية نيامي في الساعة 1:53.

صورة متعلقة توضيحية

ودامت فترة توقف الطائرة في مطار نيامي قرابة ساعة من الزمن، قبل أن تنطلق عائدة إلى ألمانيا مرورًا بالأجواء الجزائرية مرة أخرى.

أما رحلتها الثانية فكانت بتاريخ 21 أغسطس/آب الجاري، وذلك رغم إغلاق النيجر مجالها الجويّ، وأقلعت من كولن الألمانية في الساعة الثانية بعد الظهر مرورًا بالمجال الجوي الجزائري، وحطّت في العاصمة نيامي في الساعة 8:32 مساءً، ومكثت هناك نحو ساعة ورُبع، قبل أن تُقلع عائدة إلى ألمانيا مرورًا بالمسار ذاته. ووصلت الطائرة إلى قاعدة رامشتاين الجوية التابعة لحلف الناتو في الساعة 4:19 دقيقة صباح اليوم التالي.

صورة متعلقة توضيحية

اتفاقيات الطيران بين الجزائر وحلف الناتو

تعبر الطائرات التابعة لحلف الناتو الأجواء الجزائرية بموجب اتفاقيات بين الطرفين. وبدأت العلاقة بين الجزائر وحلف الناتو عام 2000، عندما انضمّت هذه الأخيرة إلى منتدى "الحوار المتوسّطي"، وهو إطار تعاون تأسس عام 1994 بين حلف الناتو والدول المطلّة على البحر الأبيض المتوسط. كما وقّعت الجزائر على "برنامج الشراكة والتعاون الفردي مع حلف الناتو" في أكتوبر/كانون الأول 2004، وجرى تجديده حديثًا في إبريل/نيسان 2021، حسب وزارة الخارجية الجزائرية. 

لقطة شاشة من موقع سفارة الجزائر في بروكسل
لقطة شاشة من موقع سفارة الجزائر في بروكسل

كما تجري لقاءات وزيارات دورية بين قيادات الجيش الجزائري وقيادات حلف الناتو، كانت آخرها زيارة الفريق هانس وارنر وييرمان، المدير العام للأركان العسكرية الدولية لحلف الناتو إلى الجزائر في 11 مايو/أيار 2022.

الجزائر ترفض السماح للناتو استخدام مجالها الجوي لضرب أهداف في ليبيا

رفضت الجزائر عام 2011، السماح لطائرات حلف الأطلسي باستخدام مجالها الجوي لضرب القوات العسكرية التابعة لنظام معمر القذّافي. كما رفضت عام 2014 السماح لطائرات الحلف بعبور مجالها الجويّ لضرب قوّات "تنظيم الدولة الإسلامية" في ليبيا. 

لقطة شاشة من تقرير نشرته جريدة الخبر عن رفض الجزائر فتح مجالها الجوي أمام طيران الناتو
لقطة شاشة من تقرير نشرته جريدة الخبر عن رفض الجزائر فتح مجالها الجوي أمام طيران الناتو

التواجد العسكري الغربي في النيجر

وتعدُّ النيجر موقع تمركز العديد من القوّات والقواعد العسكرية الغربية في منطقة الساحل، بينها "القاعدة الجويّة 101" في العاصمة نيامي، التي كانت تنطلق منها الهجمات الفرنسية على الجماعات المسلّحة في مالي، ضمن عملية "بارخان". كما تستخدمها قوات الولايات المتحدة في مهمّاتها في منطقة الساحل. وتضمّ القاعدة اليوم حوالي 800 جندي أميركي و1500 جندي فرنسي.

صورة مركبة من لقطات شاشة من تقرير نشرته وكالة رويترز عن التواجد العسكري الغربي في النيجر
صورة مركبة من لقطات شاشة من تقرير نشرته وكالة رويترز عن التواجد العسكري الغربي في النيجر

 وتملك الولايات المتحدة -على الأقل- ستّة قواعد عسكرية في النيجر، وذلك حسب وثيقة لوزارة الدفاع الأميركية رُفعت عنها السريّة ونشرها موقع The intercept الأميركي. ويضاف إلى ذلك التواجد العسكري الإيطالي ممثلًا بنحو 300 جندي، والاتحاد الأوروبي بعدد جنود يتراوح بين 50 و100. في حين أعلنت ألمانيا في إبريل/نيسان الفائت أنها سترسل 60 جنديًا إلى النيجر.

تحقيق لموقع The Intercept الأميركي عن تسريبات بخصوص القواعد العسكرية الأميركية في أفريقيا
تحقيق لموقع The Intercept الأميركي عن تسريبات بخصوص القواعد العسكرية الأميركية في أفريقيا

موقف الجزائر من الانقلاب العسكري في النيجر

أعلنت الجزائر في وقت سابق على لسان رئيسها، عبد المجيد تبّون، عن رفضها التدخّل العسكري في النيجر، إثر الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس النيجري، محمد بازوم، في 26 يوليو/تموز الفائت، مؤكدة تمسّكها بحل سياسي للأزمة.

ونشرت وزارة الخارجية الجزائرية، في الأول من أغسطس الجاري، بيانًا حول الوضع في النيجر، أكدت فيه الحكومة الجزائرية دعمها للرئيس المخلوع، محمد بازوم، كرئيس شرعي لجمهورية النيجر. كما حث البيان على العودة إلى النظام الدستوري "بواسطة وسائل سلمية".

بيان الخارجية الجزائرية حول الوضع في النيجر (الصفحة الرسمية للخارجية الجزائرية على فيسبوك)
بيان الخارجية الجزائرية حول الوضع في النيجر (الصفحة الرسمية للخارجية الجزائرية على فيسبوك)

الجزائر تفتح مجالها الجوّي للطائرات الفرنسية لضرب أهداف في مالي عام 2013

سمحت الجزائر عام 2013 لطائرات عسكرية فرنسية بعبور مجالها الجوّي لتنفيذ عمليات عسكرية ضد الجماعات المسلّحة شمالي مالي. وجاء ذلك في سياق تزايد العمليّات المسلّحة للحركات الجهادية هناك، وأبرزها "حركة التوحيد والجهاد"، التي استهدفت البعثة الدبلوماسية الجزائرية واختطفت عددًا من الدبلوماسيين، كما أعدمت طاهر تواتي، نائب القنصل الجزائري. وشمل الاتفاق حينها تزويد الطائرات الفرنسية بالوقود في الحالات الطارئة، وإمكانية الهبوط الاضطراري للطائرات الفرنسية في المطارات الجزائرية، حسب ما أوردته جريدة الخبر الجزائرية.

لقطة شاشة لتحقيق نشرته صحيفة الخبر الجزائرية عن سماح الجزائر للطائرات الحربية الفرنسيية بعبور مجالها الجوي في 2013
لقطة شاشة لتحقيق نشرته صحيفة الخبر الجزائرية عن سماح الجزائر للطائرات الحربية الفرنسيية بعبور مجالها الجوي في 2013

انعكاسات تقلبات العلاقات الجزائرية الفرنسية على اتفاقية المجال الجوي

ومنعت الجزائر من جديد الطائرات العسكرية الفرنسية من التحليق فوق أجوائها في أكتوبر/تشرين الأول 2021، بعد خلاف تسببت به تصريحات للرئيس الفرنسي ماكرون اعتبرتها الحكومة الجزائرية مسيئة لتاريخ البلاد، وسحبت على إثرها سفيرها في باريس. بعدها بأربعة أشهر، أي في فبراير/شباط 2022، عرفت العلاقات بين الطرفين تحسّنًا تُوّج بإعادة الجزائر فتح أجواءها لعبور الطيران العسكري الفرنسي.

لقطة شاشة من تقرير نشرته إذاعة مونتي كارلو الدولية عن إعادة فتح الجزائر مجالها الجوي أمام الطيران العسكري الفرنسي
لقطة شاشة من تقرير نشرته إذاعة مونتي كارلو الدولية عن إعادة فتح الجزائر مجالها الجوي أمام الطيران العسكري الفرنسي

اقرأ/أيضًا

هل طالبت النيجر سفراء ألمانيا وأميركا ونيجيريا بمغادرة البلاد؟

إمكانيات بنك بريكس المالية لا تفوق إمكانيات البنك العالمي كما صرّح الرئيس الجزائري

الأكثر قراءة