` `

هل الآشوريون عرب؟

ثقافة وفن
30 يونيو 2023
هل الآشوريون عرب؟
الآشوريون ليسوا عربًا، بل هم مجموعة إثنية-دينية مستقلة (Getty)
صحيح

تحقيق مسبار

الآشوريون بين الماضي والحاضر، بين الدين والقومية، من هم؟ وهل الآشوريون عرب؟ وماهي ديانتهم؟ وما صلتهم بالدولة الآشورية القديمة؟ هذه الأسئلة وغيرها يجيب عليها هذا المقال، ويلقي بعض الضوء على مكون أصيل في المنطقة العربية.

صورة متعلقة توضيحية

أصل الآشوريين

بعد سقوط نينوى عاصمة المملكة الآشورية، وتدميرها وتشريد سكانها الآشوريين، انهارت امبراطوريتهم في القرنين السادس والسابع قبل الميلاد، وعاش الآشوريون كأمة صغيرة في مدن متفرقة مثل حران ونصيبين وأربيل، كما عاشوا في الجبال وفي السهول،يمارسون الزراعة ويعملون في الأرض كما اعتادوا دائمًا.

وما تزال معظم المدن في شمال العراق تحمل أسماءها الآشورية القديمة حتى الآن، سواء تلك التي يسكنها آشوريون، أو التي يسكنها العرب أو الكرد، مثل أربيل (بالآشورية:أرابا-إيلو)، وتكريت (بالآشورية: تكريتي)، كركوك (كيرخاد بيت سلوك) ونينوى (بالآشورية نينوى)، وحران (حرانو) ونصيبين (نصيبيني)، الموصل (ميسبيلا)... وغيرها من المدن والقرى.

وكان الآشوريون من أوائل من اعتنق المسيحية، وقد بقيت مناطقهم الواقعة حول نينوى وأربيل، تعرف باسم "آشوريا"، وذلك حتى الفترة المسيحية البيزنطية (مقاطعة آشوريا عند الرومان). وبعد طرد الكنيسة في آشوريا من المجتمع الأرثوذكسي، وذلك لرفضها مخرجات المجمع المسكوني في أفسس عام 431 للميلاد، استقلت بمناطق نفوذها في أعلى الهلال الخصيب، لتنشأ كنيسة منفصلة عرفت باسم الكنيسة الآشورية أو الكنيسة المشرقية، وذلك لوقوعها إلى الشرق من الامبراطورية البيزنطية، وهي تلك التي ينتمي إليها المجتمع الآشوري في وقتنا الحالي.

ديانة الآشوريين

ديانة الآشوريين هي المسيحية، وهم ينتمون لواحدة من أربع كنائس، هي السريان الأرثوذكس (أو اليعاقبة) والسريان الكاثوليك والكلدانية والنسطورية، وهذه الأخيرة هي ماتعرف باسم الكنيسة الآشورية، كما يشار إليها أيضًا باسم كنيسة المشرق. وتنسب الكنيسة النسطورية إلى نسطوريوس، الراهب المسيحي الذي آمن بانفصال الطبيعتين البشرية والإلهية للمسيح، رافضًا ماتمّ الاتفاق عليه في المجمع المسكوني في أفسس عام 431 للميلاد.

وعلى الرغم من أن الكنيسة الآشورية سميت نسبةً إلى نسطوريوس، إلّا أنها لا تتبنى جميع أفكاره، ولكنها في المقابل تكنّ له التبجيل والاحترام.

وازدهرت الديانة المسيحية في المنطقة منذ منتصف القرن الثاني للميلاد، وبسيطرة الفرس على المنطقة التي سكنها الآشوريون، أصبح المجتمع المسيحي الآشوري منفصلًا عن باقي المجتمعات المسيحية في الدولة الرومانية البيزنطية، وربما هذا ما أدى إلى أن يكون لهم رئاسة كنسيّة مستقلة، كما أسهم في اختلاف بعض عقائدهم عن "المسيحيين الغربيين".

وانتشرت ديانة الآشوريين "المسيحية المشرقية" خارج أماكن سكناهم التاريخية، فوصلت في القرن العاشر إلى الهند والصين، كما ازدهرت بين القرن السابع وحتى العاشر في وسط آسيا بين قبائل التتار، حيث اتبع العديد منهم المسيحية بصيغتها الآشورية المشرقية، ووصل انتشار هذه الكنيسة حتى بحيرة "بايكال" في شرق سيبيريا، وكان وجودهم في "منغوليا" واضحًا، واستمر حتى القرن الرابع عشر، ليندثر بعد غزوات تيمورلنك.

وفي عام 1551، انضمّ بعض أتباع الكنيسة المشرقية إلى الكنيسة الروميّة الكاثوليكية، وهم المعروفون حاليًا باسم "الكلدان"، بينما من بقوا على عقيدتهم المشرقية أصبحوا يعرفون باسم الآشوريين.

الآشوريون المسلمون

الغالبية العظمى من الآشوريين هم مسيحيون، وإن تسمية الآشوريين التي يُعرفون بها، تعكس هويتهم الدينية وانتمائهم إلى كنيسة المشرق الآشورية.

وعلى الرغم من ذلك توجد أقلية من الآشوريين المسلمين، هؤلاء الآشوريون المسلمون هم أحفاد ضحايا حملات العنف التي تعرض لها أجدادهم خلال فترة الحكم العثمانية، والتي تعرف بلغتهم باسم "سيفو"، والتي أدت إلى مقتل العديد من الآباء الآشوريين، والذين تربى أبناؤهم في كنف الأتراك والكرد ودانوا بدينهم، وأحفادهم الآن هم آشوريون مسلمون ولكن يفتخرون بهويتهم الآشورية.

لغة الآشوريين

إن لغة الآشوريين هي السريانية المعاصرة، والتي تعرف كذلك بالآرامية الحديثة، وهم وإلى جانب حديثهم بإحدى اللهجات السريانية، غالبًا مايتكلمون كذلك اللغة السائدة في المنطقة التي يتواجدون بها. كما أن السريانية هي اللغة الرسمية لكنائسهم، وكما هو معروف فإن لغتهم هي السليلة المباشرة للآرامية القديمة، لغة السيد المسيح.

وحافظ الآشوريون على لغتهم السريانية بعد دخول العرب إلى مناطقهم، وقد جعلتهم معرفتهم باللغة اليونانية مؤهلين ليلعبوا دورًا محوريًا في أعمال الترجمة من اليونانية إلى العربية.

وقد اشتهر في كنف الدولة العربية الإسلامية العديد من المترجمين الآشوريين، مثل حُنين بن اسحاق (808-873م)، والذي ترجم إلى لغة العرب العديد من الكتب اليونانية، مثل مؤلفات أرسطو وغيرها، وأحيانًا ترجمها إلى السريانية ثم إلى العربية.

وخلال العقود السابقة، عانى الآشوريون من عدم الاعتراف بلغتهم أو هويتهم في بعض دول المنطقة، فقد اِعتُبر الآشوريون عرب في الإحصاءات الرسمية في العراق. في إحصاءي 1987م و1997م، أجبر الآشوريون على الاختيار بين الهوية العربية أو الكردية، وفي عام 2001م صدر مرسوم يعطي "الحقّ" لأي عراقي بأن يعتبر نفسه من العرب، كل ذلك جعل من لغة الآشوريين لغةً مهمشةً في وطنها نفسه.

هل الآشوريين عرب؟

لا، الآشوريون ليسوا عربًا، بل هم مجموعة إثنية-دينية مستقلة، ويشكلون مجتمعًا متفردًا، ويمكن تقسيمهم إلى ثلاث جماعات:

  1. من سكنوا "هكاري" (في تركيا الحالية) وأغلبهم عشائر قبلية.
  2. سكان "أوروميا" (في إيران) وهم مجتمع زراعي من الفلاحين.
  3. سكان "أماديا" و"شقلاوا" و"راواندوز" (في كردستان العراق) أغلبهم فلاحين.

سقوط الدولة الآشورية

في نهاية القرن السابع قبل الميلاد، انهارت الامبراطورية الآشورية تحت هجمات البابليين من الجنوب، والميديين من الشرق. دمرت مدينة نمرود مرتين، في 614 ق.م ومرة أخرى في 612 ق.م، وفي نفس السنة سقطت مدينتا نينوى وآشور، وكانت بذلك سنة سقوط الدولة الآشورية، وانتهاء حكم الآشوريين في المنطقة.

وبقي لغز سقوط الدولة الآشورية على يد البابليين والميديين دون حلّ، وطرحت العديد من النظريات بخصوص ذلك، كيف لجيشين صغيرين أن يهزما امبراطورية بهذه القوة، وكيف لمدينة كمدينة "نينوى" والتي كانت الأكبر في زمنها، أن تسقط أمام الغزاة، وأن تدمّر تدميرًا كليًا. وتمكن فريق من الباحثين من اكتشاف السبب الكامن وراء هذا الانهيار، وذلك بدراسة سجلات هطول الأمطار في هذه المنطقة، ليتبيّن لهم أن فترة جفاف عظيم امتدت لـ 60 سنة قد سبقت سقوط الدولة الآشورية، متسببةً في ضعفها وانهاك قوتها، وجعلها مكشوفة أمام الغزاة.

كانت الدولة الآشورية مجتمعًا زراعيًا يعتمد على الهطولات الموسمية لري المحاصيل النجيلية التي كانوا يزرعونها، بينما إلى الجنوب منهم، كان البابليون يعتمدون على الزراعة المرويّة، وهذا ماأدى إلى عدم تأثرهم بالجفاف بعكس جيرانهم الشماليين، وهو مايفسر تمكن البابليين من هزيمة الدولة الآشورية، وإنهاء حكم الآشوريين في بلاد مابين النهرين.

بوابة آشور

لا وجود لما يسمى بوابة آشور، بل هناك بوابة عشتار، والتي كانت تقع في مدينة بابل القديمة، وقد بنيت حوالي عام 575 ق.م، بارتفاع 12 مترًا، وتوجد حاليًا في متحف بيرغامون في العاصمة الألمانية برلين.

الفرق بين الآشوريين والبابليين

نشأت الدولتان الآشورية والبابلية متجاورتين في بلاد مابين النهرين، وتمركزت الامبراطورية البابلية في مدينة "بابل" جنوب شرق بلاد الرافدين، بينما شغل الآشوريين الجزء الواقع شمالًا، متمركزين في مدينة "آشور".

غير أن الفرق بين الآشوريين والبابليين يتعدى الموقع الجغرافي، حيث كان الآشوريون سلالة عسكرية، بينما أصبح البابليون مزارعين وتجار، وكان الحاكم الأعلى عند الآشوريين هو الملك ذو السلطة المطلقة، بينما كان للكهنوت في بابل السلطة العليا.

وأشهر ملوك البابليين في الدولة البابلية الأولى هو "حمورابي" (1792-1750 ق.م)، الذي حول المملكة البابلية إلى امبراطورية في المنطقة، وهو المشهور كذلك بوضعه للتشريع المعروف باسمه: قوانين حمورابي. أمّا أشهر ملوك الآشوريين هم آشورناصربال الثاني، وتغلث فلاصر الثالث وابنه سرجون وحفيده سنحريب، كما اشتهر كذلك آشوربانيبال، وقد عرفوا جميعًا بإنجازاتهم العسكرية.

وعُرف البابليون بتقدمهم في علوم الرياضيات والفلك، ومهارتهم في التجارة، بينما اُشتهر الآشوريين كمهندسين مبدعين، فقد بنوا القصور الحجرية، والحدائق، وغيروا مجاري الأنهار.

الآشوريون في سوريا والعراق

الآشوريون في العراق:

عاش العراق حقبة من التوتر الديني في أربعينيات القرن التاسع عشر، والتي حصلت لعدة أسباب، منها مايعود إلى التدخل الأوروبي، واهتمام الأوروبيين حينذاك بالمجتمعات المسيحية في المنطقة، ومنها مايرجع إلى التنافس بين الأطراف محلية، إضافة إلى حالة التوتر بين العثمانيين والأرمن.

في عام 1915م شجعت القوات الروسية آشوريي "هكاري" على الثورة ضد السلطات العثمانية، ولكنها لم تقدم الدعم اللازم لهم، مما اضطرهم على النزوح إلى "أروميا"، ولكن مع انهيار روسيا القيصرية عام 1917م، أجبروا على الارتحال سيرًا على الأقدام، باتجاه الجنوب إلى مناطق السيطرة البريطانية، وقد استقر الناجون منهم في العراق، وكان عددهم حوالي 25 ألف فقط.

لم تكن علاقة الآشوريين مع الحكومة العراقية على خير مايرام، وذلك لأن الاحتلال كان يستغلهم في حماية المنشآت البريطانية، لما عرف عنهم من خبرة قتالية، لذلك اعتبر الآشوريون استقلال العراق عام 1932، خيانة من بريطانيا تجاههم.

لم يمض وقت طويل حتى اندلع النزاع مع الجيش العراقي، والذي أدى إلى مجازر عام 1933م، وسبب هجرةً جديدة للآشوريين، حيث نزح بعضهم إلى بغداد، وسافر آخرون إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

حاليًا تطالب بعض المجموعات الآشورية، وخاصة من هم في الشتات، بمنطقة حكم ذاتي في سهول نينوى، وذلك بسبب الأوضاع المضطربة التي عاشها العراق في السنين الأخيرة.

الآشوريون في سوريا:

يعيش الآشوريون في سوريا في وادي الخابور في منطقة الجزيرة، شمال شرق سوريا، معظمهم ينتمون لكنيسة الشرق الآشورية، وبعضهم لكنيسة الكلدان الكاثوليك.

بعد مجازر عام 1933م انتقل حوالي 9000 آشوري من العراق إلى سوريا، وهم مسيحيون نسطوريون، ويتكلمون السريانية، وقد استقروا في الجزيرة بالقرب من تل تمر على نهر الخابور، حيث أنشأ لهم الفرنسيون هناك حواضر يسكنونها، وذلك بمساعدةٍ من عصبة الأمم.

يتوزع الآشوريون في سوريا على حوالي 20 قرية، أغلب سكانها يعتمدون على الزراعة، وقد عانوا من صعوبات اقتصادية جمّة على مدار السنين، وهاجر بعضهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أنشأووا مجتمعًا محليًا كبيرًا هناك.

اقرأ/ي أيضًا:

هل تمثال الملك السومري المعروض في متحف اللوفر في أبو ظبي مسروق من اليمن؟

هل عجائب الدنيا السبع تتغير؟

هل تضم بلاد الرافدين مناطق من دول خارج العراق؟

هل حدائق بابل المعلقة موجودة الآن؟

مصادر مسبار

شارك هذا التحقيق على