` `

ما حقيقة ادعاءات قناة NBC حول مخطط لحماس لاستهداف الأطفال خلال طوفان الأقصى؟

فراس دالاتي فراس دالاتي
أخبار
15 أكتوبر 2023
ما حقيقة ادعاءات قناة NBC حول مخطط لحماس لاستهداف الأطفال خلال طوفان الأقصى؟
الوثيقة المزعومة على أنها من تخطيط حماس المسبق لقتل الأطفال (NBC)

نشرت قناة NBC News الأميركية، يوم أمس السبت 14 أكتوبر/تشرين الأول، تقريرًا تدّعي فيه أنها حصلت بشكل حصري على "وثائق سرية"، عُثر عليها مع جثث مقاتلي حماس الذين قُتلوا خلال الاشتباكات في مستوطنات غلاف غزة ضمن عملية طوفان الأقصى، التي أطلقتها كتائب القسام يوم السابع من أكتوبر الجاري.

وبحسب القناة، تكشف الوثائق أن ما سمّتهم “الإرهابيين استهدفوا عمدًا المدارس الابتدائية ومركز لليافعين"، إذ كان لديهم خطة ممنهجة تفصيلية ومنسّقة لقتل واحتجاز المدنيين وأطفال المدارس في مستوطنة كفار سعد في غلاف غزة كرهائن.

صورة متعلقة توضيحية

وقالت القناة استنادًا للوثائق التي أرفقتها، والمكونة من صفحتين، إنّ خطط الهجوم التي وُصفت بأنها "سرية للغاية" باللغة العربية، هي "أوامر لوحدتين من حماس مدربتين تدريبًا عاليًا بمحاصرة القرى والتسلل إليها واستهداف الأماكن التي يتجمع فيها المدنيون، بما في ذلك الأطفال"، بهدف "قتل أكبر عدد ممكن من الأشخاص".

لم يتسنّ التثبت من صحة الوثيقتين التي نشرتهما القناة، المكتوبتين باللغة العربية، والتي حملتا علامة "أبو حمزة عباس" المائية، وبدا أنهما جزءًا من ملف مكوّن من ستّ صفحات تحمل تصنيف "سري للغاية"، لم تنشرها القناة كلّها، وظهر فيها بعض الخانات الفارغة التي كان من المُفترض ملؤها، مثل أسماء سائقي المركبات المشاركة في العملية.

ترجمت القناة الوثائق لغير الناطقين باللغة العربية، إذ كتبت "تحدد إحدى الصفحات التي تحمل عنوان سري للغاية خطة الهجوم على كفار سعد، قائلة إن الوحدة القتالية 1 موجهة إلى السيطرة على مدرسة داعت الجديدة، بينما تهدف الوحدة القتالية 2 إلى جمع الرهائن، تفتيش مدرسة داعت القديمة ومركز بني عكيفا لليافعين".

وتناقلت الوثائقَ عددٌ من وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية عمومًا، التي أضافت عليها تفاصيل أخرى، على سبيل المثال، نشرت صحيفة ذا تلغراف البريطانية الخبر تحت عنوان "خطط حماس السرية للغاية تُظهر أنها استهدفت الأطفال عمدًا"، وفي متنه كتبت "استهدف إرهابيو حماس المدارس الابتدائية لقتل الرضع والأطفال أو أخذهم كرهائن، وفقًا لخطط تم انتشالها من جثث المسلحين القتلى".

صورة متعلقة توضيحية

فيما نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية الخبر قائلة إنه "يتضح من الوثائق التي نشرتها كلٌّ من شبكة NBC وصحيفة ذا نيويورك تايمز، أنّ التخطيط للهجوم شمل أدق التفاصيل، أن كان هنالك نية منذ البداية لإيذاء المدنيين، بما في ذلك الأطفال".

صورة متعلقة توضيحية

عملية طوفان الأقصى حدثت في يوم عطلة

اطّلع مسبار على تلك الوثائق التي لم يتثبّت من صحتها، ووجد أنها تتضمن بالفعل خطة للهجوم على مستوطنة كفار سعد، وذلك من خلال تقدّم فصيل مسلّح عبر سيارات الدفع الرباعي والدراجات النارية لفتح ثغرة على الجبهة الشمالية الغربية من سياج المستوطنة، لتتقدم مجموعتان تسيطر كل منهما على أحد القاطعين الشرقي والغربي للمستوطنة، بهدف إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر البشرية والأسرى".

لكن لم يرد في أي من الصفحتين، أي إشارات إلى أنّ الخطة تشمل استهداف الأماكن التي يتجمع فيها الأطفال، أو تعليمات تنص على قتلهم أو احتجازهم، بخلاف ما شدّدت عليه الصحف التي تداولت قصة الوثائق.

صورة متعلقة توضيحية

بالإضافة إلى ذلك، أغفلت وسائل الإعلام المتداولة للخبر أن العملية حدثت يوم السبت السابع من أكتوبر، ويوم السبت هو هو أحد أيام عطلة نهاية الأسبوع الرسمية في إسرائيل، ما يعني أن المدارس والمراكز التعليمية تكون خاوية من الأطفال.

كما أن يومي السبت والأحد شهدا عيدًا وطنيًا يهوديًا يدعى عيد "بهجة التوراة"، وفيه تدخل كافة الجهات الرسمية والمدارس في عطلة رسمية. ويتم إحياء طقوسه عادةً في المراكز الدينية، وهو عيد يلي اليوم الثامن الختامي (شميني عتسيريت)، وهو اليوم الأخير من عيد المظال. 

تُختتم في هذا العيد الدورة السنوية لقراءة أسفار موسى الخمسة في المعبد. ويُحتفل به داخل المعبد بأن تُحمل لفائف الشريعة، ثم يتم الطواف بها سبع مرات، أما الأطفال، فإنهم يحملون الأعلام الصغيرة ويسيرون أمام الكبار.

استهداف مركز شباب صهيوني

ركّزت شبكة NBC التلفزيونية في تقريرها على أن مقاتلي حماس استهدفوا مركز بني عكيفا لليافعين، مكتفية بوصفه بذلك دون تقديم أي تفاصيل عن المركز وأنشطته.

صورة متعلقة توضيحية

من خلال البحث، تبيّن أن بني عكيفا، هي أكبر حركة شبابية صهيونية دينية في العالم، وتضم أكثر من 125.000 عضو في 42 دولة. تأسست في فلسطين خلال فترة الانتداب البريطاني عام 1929، كامتداد لحركة اليهود المزراحيين، التي انبثق عنها أول حزب صهيوني ديني رسمي، وأسس وزارة الشؤون الدينية في دولة إسرائيل. كما لعبت دورًا قبل نشوء إسرائيل، إذ بنت شبكة من المدارس الدينية التي مهدت لأحداث النكبة ولا زالت موجودة حتى يومنا هذا.

صورة متعلقة توضيحية

تدعم حركة بني عكيفا مساعي إسرائيل الاستعمارية على أرض فلسطين، إذ تؤمن بضرورة الهجرة إلى أرض إسرائيل عليا باعتبارها وصية مركزية في اليهودية، ويؤكد أعضاؤها أن مستقبل الشعب اليهودي مرتبط بدولة إسرائيل.

ضمت الحركة عددًا من صانعي القرار والسياسيين الإسرائيليين، أبرزهم رئيس الوزراء الإسرائيلي اليميني الأسبق نفتالي بينيت، الذي انخرط في حركة الشباب الصهيوني بني عكيفا، والتي كان من المقرر أن تلعب دورًا رئيسيًا في تغيير الصهيونية الدينية.

إذ كانت قيادة الحزب الديني القومي تنتمي في البداية إلى الهامش المعتدل للصهيونية فيما يتعلق بقضايا الأرض والعلاقات مع العرب. كما كان دعمها لحرب عام 1967 مترددًا، وقد عارضت غزو لبنان في عام 1982. ولكن في أعقاب حرب عام 1967، تطورت النزعة القومية في الحزب، وانتفض أعضاؤه من الشباب على الأعضاء القدامى الذين رؤوا أن سياساتهم خجولة ومترددة، وبدؤوا في تبنّي مشروع استعمار الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكانت حركة بني عكيفا جزءًا من هذه الموجة الجديدة.

المزاعم الزائفة عن قتل حماس 40 رضيعًا

لم تكن هذه المرة الأولى التي يتم فيها تقديم رواياتٍ غير مستندة لأدلة، متعلقة بقتل الأطفال خلال عملية طوفان الأقصى. إذ ادّعت قناة i24 نيوز بنسختها الإنجليزية يوم الثلاثاء الفائت، أنّ مقاتلي حماس ذبحوا 40 رضيعًا إسرائيليًّا، غالبيتهم مقطوعي الرأس في مستوطنة "كفار عزّة"، القريبة من السياج الفاصل مع قطاع غزة، ونقلت عشرات وسائل الإعلام الغربية الخبر عنها، إلى أن وصل إلى نقله على لسان الرئيس الأميركي جو بايدن.

لكن عندما تتبع مسبار انتشار الادعاء في قنوات ووسائل الإعلام الدولية بُعيد انتشاره، لاحظ أنّه لم يكن متداولًا في الإعلام الإسرائيلي العبري، الأمر الذي أثار الشكوك. إذ إنّ خبرًا كهذا -لو كان صحيحًا- لانتشر على نحو واسع في القنوات الإسرائيلية البارزة، كقنوات 11، 12، 13 إضافة إلى الصحف العبرية المعروفة.

وبعد نحو أربع ساعات على انتشار الخبر، توجهت وكالة الأناضول بسؤال إلى الجيش الإسرائيلي عن حقيقة جثث الأطفال، لينفي المتحدث علمه بالحادثة، مؤكدًا عدم امتلاكه معلومات حولها. الأمر الذي دحض ما ادّعته مذيعة قناة i24 الإخبارية، التي كانت ضمن فريق من المراسلين الذي أجروا جولة في المستوطنة برفقة جنود الاحتلال.

وبعد تفنيد الرواية وادعاء زيفها، وإصدار البيت الأبيض بيانًا يوضح فيه أن الرئيس بايدن لم يرَ بعينه الحادثة كما ادّعى في خطابه، تراجعت القناة عن روايتها، وقالت إنها نقلت الخبر عن أحد الجنود الإسرائيليين في الميدان، دون امتلاكها أدلة كافية، كما اعتذرت مراسلة سي إن إن التي أذاعت الخبر على الهواء لنفس الأسباب.

صورة متعلقة توضيحية

كتائب القسام توثّق تعاملها مع الأطفال

وردًا على مزاعم إسرائيلية قالت بأن مقاتلي حماس قد قتلوا الأطفال الإسرائيليين وقطعوا رؤوسهم دون تقديم أدلة، في رواية اتّضح أنها زائفة باعتراف مروّجيها، بثّت كتائب القسام مقاطع فيديو لتعامل مقاتليها مع أطفال مستوطنين السبت الفائت، حينما انطلقت عملية طوفان الأقصى داخل مستوطنات غلاف غزة.

ويظهر في التسجيل الذي جرى تداوله على وسائل الإعلام، مقاتلي القسام يحملون أطفال المستوطنين ويحاولون تهدئتهم وإطعامهم. ويظهر أحد المقاومين قائلًا "انظروا الرحمة في قلوبنا، لا نقتلهم كما تفعلون". كما أظهر التسجيل مقاتلي القسام وهم يقومون بتهدئة طفل يبكي وهو في سريره المتحرك داخل منزل في إحدى المستوطنات.

اقرأ/ي أيضًا

الاحتلال يدعو المدنيين إلى النزوح الآمن إلى جنوب قطاع غزة ويقصف العائلات في الطريق

الصورة ليست لعناصر من كتائب القسام في قبضة القوات الإسرائيلية

الأكثر قراءة