` `

الدعاية على الشبكات الاجتماعية

نور حطيط نور حطيط
أخبار
18 أبريل 2021
الدعاية على الشبكات الاجتماعية
صار من اليسير إنشاء حسابات وهمية (Getty)

الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي "مسبار".

منذ زمنٍ طويل، حذّر الفيلسوف الألمانيّ كارل ماركس في كتابه الشّهير رأس المال من "فتشية السلعة"، أي تقديسها، خصوصًا مع التحوّل الطارئ الذي شهدته المجتمعات في عصر اقتصاد السوق - النظام الرأسمالي - الأكثر تعسفًا بحسب رأيه، النظام الذي ما يزال يحكم العالم، ومع التطور الذي شهدناه في زمن ثورة التكنولوجيا وتوابعها، من العولمة إلى اختراع الخوارزميات وتغيّر شكل الدعاية على شبكة الإنترنت، يمكن القول بأنَّ الإنسان أصبحَ مُستهلِكًا ومُستهلَكًا. أيّ تمّ تشييء هذا الكائن وإخضاعه لممارسات شتّى. ومن بين هذه الممارسات، استهداف الجموع عبر صناعة انطباع مزيّف، بأسلوب محترف ومدروس للوصول إلى أهداف المؤثِّر المنشودة.

يصير الإنسان إذًا مجرّد سلعة تتلاعب بهِ أنظمة وشبكات تكنولوجية عملاقة، فماذا لو دخلنا في عصر ما بعد الحقيقة والأخبار الزائفة؟

صناعة الانطباع المضلل (AstroTurf)

إحدى أهم الممارسات المُخادعة التي يستعين بها أصحاب النفوذ، من رجال سياسة وأصحاب شركات كبرى، وأصحاب مشاريع سياسية وانتخابية، تلك التي تُسمى بدعاية التضليل أو ما يُعرف بصناعة الانطباع المضلل. تقوم هذه المجموعة بخلق محتوى دعائي مزيّف مدعيّة أنها انبثقت من مؤسسات قانونية ومن قاعدة شعبية واسعة، لكن في الواقع يتبيّن العكس، فهي تتعامل مع المستهدف كشيء تؤثر عليه وتخدعه لهدف يخصّها وحدها.

وتتميّز هذه الدعاية بميزتين، بحسب ما ورد في كتاب "الدعاية على الشبكات الاجتماعية: قراءة في أدوات السيطرة والتضليل"، للباحث الفلسطيني في مجال الإعلام السياسي والدعاية، حيدر إبراهيم مصدّر، فالميزة الأولى تتمثّل في "توظيفها للخداع بهدف التستر عن طبيعتها المدبرة والزائفة، بينما تتجسد الثانية في قدرتها على إخفاء هوية محرّكها الحقيقي. وهنا تتخدر قدرات الفرد العاديّ على التفكير والتقييم المنطقي السليم، لسبب بسيط، أنَّ الحملة تبدو له من بعيد وكأنها منبثقة عن فعل حقيقي وعفوي".

كانت دعاية التضليل التجارية الكلاسيكية، تستأجر وكلاء يعملون على نشر معلومات تتضمن في ذاتها خطاب يغيب فيه المنطق، وتطغى عليه العاطفة. وبالتالي فإنَّ استثارة عواطف الجمهور واعتماد استراتيجية نفسية تهيّج "غريزة القطيع" ستحثّ الفرد تلقائيّا على تبنيها، أسوةً بجماعته، خصوصًا وأنَّ الفرد يميل بطبعه لحكم الأكثرية هربًا من الخوف ومن الخروج عن "القطيع". 

أما إذا أردنا الخوض في أشكال الدعاية الحديثة فإنها تعتمد استراتيجية التخفّي فتصنع حقيقة واهمة وحالة مناصرة بهدف تحقيق أهدافها، أو تقوم بالتسلل على هيئة "حملات مصمّمة" من أجل الحصول على مناصرة أكبر قدر من شرائح الجمهور، علمًا أنّ الدعم الذي تمّ تبينه قد يبدو طبيعيًّا وعضويًّا في ظاهره، لكنه في الجوهر قد صُنِّع من قبل مصدر مجهول، تعلم ماهيته هي فقط.

وتؤخذ تعريفاتها من زوايا عدة فيذكر المصّدر على صعيد المجال التجاري أنّ دعاية التضليل "هي حملة تنظّمها مجموعات أو خبراء في العلاقات العامّة لصناعة أو عكس صورة قاعدية مزيّفة أو مضلّلة، وهناك تعريف إجرائي يصفها على شكل مجموعة الطرق التي تنفذّها مؤسسات لمنح عملاء محتملين انطباعًا بأنّ مستخدمين حقيقيين عبر الإنترنت يوصون بمنتجاتها وخدماتها، وهذه التوصيات هي في الأصل من صنع هذه المؤسسات".

أمّا على الصعيد السياسي، يصفها بأنها إجراءات سياسية تتنكر على هيئة جهود قاعدية شعبية. وفيما يخص المجال الرقمي التي تختلف فيه عن الشكل التقليدي، حيث أنّ الصيغة الرقمية تعتمد على استراتيجية التخفي، غير مقيدة لا في الزمان ولا في المكان، كما أنها تمتلك تقنيات حديثة تخوّلها الوصول إلى شرائح مختلفة داخل المجتمع الرقمي وهذا ما لا تستطيع الدعاية التقليدية تحقيقه، وذلك لإمكانياتها المادية المحدودة ولحاجتها إلى وسطاء لذلك إنها أقل خطورة من نظيرتها الرقمية.

جذور مصطلح Astroturf

تعود أصل كلمة AstroTurf للعشب الذي صُنع في سنة 1996 في مدينة هيوستن الأميركية، والذي يبدو حقيقيًّا للوهلة الأولى، لكن عند التدقيق، يتبين أنه اصطناعي، وقد اكتسب هذا المصطلح بُعده السياسي حين كشف السيناتور الأميركي "للويد بنستن" شركات تأمين كانت تُرسل خِفيةً عددًا هائلًا من الرسائل، توهم الآخر المتلّقي بأنها ذات منشأ جماعيّ شعبي، وبأنّها شركات عامة، موصفًا حركتها هذه بحملات الضغط المزيّفة (Astroturf lobbying).

أمّا عن أهم الخصائص التي تتميّز بها دعاية التضليل والتي ذكرها المؤلف في كتابه فتمتاز بأنّها:

- جهد منظّم يجري على مسرح سيبراني.

- يقف خلفها فاعل.

- تتجسد بشكل مصطنع بغرض الخداع لتحقيق أهداف استراتيجية.

دعاية التضليل والفضاء السيبراني

رصدت عالمة الاجتماع كارولين لي، مؤسسة شركة public cup vendor، هيومور، التي كانت تروج لبضاعتها من الكؤوس الورقية تحت اسم شركة Dixie cup، ودون الكشف عن هويته الحقيقية. وقد سعى عبر حملته المصطنعة "حملة الكأس" إلى تحقيق هدفه دون أن يتمكّن المستهدفون من معرفة هوية الشركة الحقيقية.

هذه إحدى الأساليب الخطيرة التي تم اتباعها، وتم كشفها بالإضافة إلى أساليب أخرى تأخذ أشكالًا مختلفةً كالتقليدية المعتمدة على الهاتف والرسائل الورقية وغيرها من وسائل التواصل القديمة الأكثر تكلفة من الوسائل الحديثة. فماذا عن الوسائل الأكثر حداثة اليوم، كيف تعمل؟ وما مدى تأثير الفضاء السيبراني على دعاية التضليل؟

يقول المؤلف في كتابه بأنَّ "ما تتميز به حملات دعاية التضليل عبر الفضاء السيبراني (Cyber Turfing) بانتشارها السريع والمتشعب، فبمجرد زراعة بذرة التضليل، تبدأ الرسالة بالنمو والتضخّم باضطراد سريع، دون انكشاف مصدرها أو الجهة الراعية لها. وفيما يخصّ الميزة الثانية تتلخّص في طبيعتها المخادعة، فالجمهور خلال تعرضه لرسائلها لن يتكمن من إدراك وكشف طبيعة الاتصال والتوجيه القائم بين الرسالة ومصدرها الحقيقي".

ويضيف "نظرًا لصعوبة التأكد من هوية المستخدمين عبر الفضاء الرقمي، صار من اليسير إنشاء حسابات وهمية، بهدف دعم رأي أو فكرة، لكن بصورة مخادعة توحي بصدور هذا الدعم عن حسابات وهمية. وهنا يستطيع أي فرد إنشاء أكثر من حساب، تحت أسماء مستعارة، والتحكم بها بطريقة توحي للآخرين بأنَّ رأيًا أو موقفًا يحظى بموافقة ودعم عفويين من مستخدمين كبير". ولا يتوقف الموضوع على إنشاء الحسابات الوهمية، بل يستطيع أن يفعّل خاصيات عديدة وتوظيفها لصالحه كخاصيّة المشاركة والإعجاب وتكنولوجيا الروبوتات الاجتماعية، إضافة إلى إنشاء العديد من المدونات والتحكم بها.

ويذكر أن دوافع دعاية التضليل تتحدد "بالعوائد المتحصلة" من وراء التلاعب بآراء المتلقين، ويعرض المؤلف هنا العديد من الأمثلة المتعلقة بالانتخابات التي حصلت في ولاية ماساشوستس بهدف التجديد لعضوية مجلس الكونغرس عن هذه الولاية، إذ قامت جهة من مؤيدي أحد الأطراف بانشاء حسابات وهمية على منصّة تويتر واستخدمتها لإرسال المئات من الرسائل في وقت قصير للوصول إلى أكبر عدد ممكن من المستخدمين، دون أن يشعروا أنها تحت رعاية المتنافسين.

إذًا، إنَّ أهم الدوافع السياسية التي تقف خلف اشتغال دعاية التضليل على مواقع التواصل الإجتماعي تتمثل في دعم أو معارضة سياسة ما أو ربما سياسيين أو أيديولوجية معينة.

شروط دعاية التضليل ووسائلها

يُعدّ التمويل أحد المتطلبات الأساسية لدعاية التضليل وشرطًا لانتشار حملتها، فتعتمد المؤسسات بغالبيتها على وسيط تنفيذي أو أكثر كالمعتمدة في شركات العلاقات العامّة، وعلى المستخدمين المدفوعين والأهم الروبوتات خصوصًا أنَّ دولًا كثيرة صارت تستخدم الإنسان الآلي بديلًا عن العمّال، فتطور التكنولوجيا أدى إلى استخدام أفضل القنوات الاتصالية، التي تؤثر بالدرجة الأولى على المستخدم، وعادة ما تستخدم تقنيات الخداع والاصطناع دون أن يتمكن المستهِلك من كشف حقيقتها.

وتنجح دعاية التضليل عندما تتستّر الجهة الراعية وراء هوية وهمية، فقدرتها الفائقة في صناعة انطباع مضلل يحقق أهدافها خصوصًا وأنّها تراعي الدوافع النفسية، إذ تلعب دورًا أساسيًّا في عملية الجذب والإقناع تستخدمها بطريقة سرية دون معرفة الجمهور لحقيقتها وحقيقة تضليلها. ومن أجل تنفيذ الدعاية عادة ما يتم الاستعانة بالوسائل الآلية المهمة في تكنيكات نشر الدعاية على أوسع نطاق وأيضًا الوسائل البشرية، بشرط توفير التمويل المطلوب وقدرة كبيرة على التخطيط والتنفيذ والتوجيه، ورغم عدم قدرتها على الانتشار مقارنة بالشكل الآلي إلا أنها أكثر تأثيرًا وذلك لتسللها إلى غرف الدردشة مباشرة.

ويشترط في صناعة الانطباع المضلل كما يقول الباحث الفلسطيني أن نأخذ بالحسبان الآتي:

  1. زيادة وصول العامل: عبر تأسيس أكثر من حساب وهمي بأسماء مستعارة بهدف صناعة انطباع مضلل. 
  2. تفعيل العدوى وتضخيم الأثر: بمجرد نشر الرسائل يقع عديد من المستخدمين ضحية لها، فيقومون على مشاركتها وإنتاج أشكال جديدة منها دون وعي منهم، مما يؤدي إلى تضخيم الأثر.
  3. المزاوجة بين الأشكال البشرية والآلية والهجينة: يمكن تنفيذها بواسطة نظام برمجي (Bot) أو بشري أو هجين.

آليات التأثير والإقناع

يتّسق تأثير دعاية التضليل على مستوى علم النفس الاجتماعي مع ظاهرتيّ "التأثير الاجتماعي المعلوماتي" (international social influence)، و"الدليل الإجتماعي" (social proof). ففي الأولى كما يورد المصدّر، يتحقق الإقناع عندما يميل المستخدم إلى اعتبار المعلومات الصادرة عن مستخدمين آخرين كدليل يؤخذ به عند تشكيل رأي أو حكم اتجاه قضية ما. أمّا في الثانية فيتحقق الإقناع باستخدام قوّة وجاذبية النظير، وهي ظاهرة نفسية يتكيّف فيها المستخدم مع ممارسات الآخرين بحيث يتولد اعتقاد لديه لضرورة ممارسة نفس ما يمارسه الآخرون، أي التشبه بهم. وبرغم التأثيرات الإقناعية السابقة القائمة على الإدراك والمشابهة، إلّا أنه لا يجب إغفال تأثير يطلق عليه اسم "نموذج الأرجحية في الإقناع" (Elaboration Likelihood Model of Persuasion)، سيما ما يتعلق بطريقة معالجة المستخدمين للمعلومات والرسائل الخاصة بدعاية التضليل.

 

المراجع

المصدّر حيدر إبراهيم، الدعاية على الشبكات الاجتماعية – قراءة في أدوات السيطرة والتضليل 

اقرأ أيضاً

الأكثر قراءة